عسيلة يكتب…هل نجح اتحاد الكرة في قراءة ذاكرة اللعبة؟

بقلم: د. ماجد عسيلة
ستادكم سبورت – لم يكن الهدف من حفل اليوبيل الماسي للاتحاد الأردني لكرة القدم إقامة مناسبة بروتوكولية عابرة؛ بل احتفالا يعيد الاعتبار لذاكرة اللعبة، ويلقي الضوء على رموزها الحقيقيين، ويقدم للأجيال مشهدا يليق بتاريخ يقارب الثمانية عقود، لكن وفق ما ظهر من ردود فعل واسعة، فتح بابا غير مرغوب فيه من الأسئلة والانتقادات، وجعل الحفل يقترب من كونه جدلا وطنيا أكثر منه مناسبة احتفالية.
منذ اللحظة الأولى للظهور الرسمي للقائمة التي تضم الشخصيات والمؤسسات والأندية التي تم تكريمها، بدأ سيل من التساؤلات؛ على أي أساس تم اختيار هذه الأسماء؟ من الذي وضع المعايير؟ ولماذا غابت وجوه صنعت أمجاد المنتخب والأندية؟.
أؤكد أن جميع من تم تكريمه يستحق، ولست في صدد انتقاد معايير الإختيار إن وجدت، لكن الانتقاد الأبرز كان في غياب الشفافية، فقد شعر كثيرون أن الحفل لم يعكس حقيقة تاريخ اللعبة الأردنية، وأن بعض التكريمات وزعت بطريقة توحي بأن المجاملة حضرت أكثر من الإنجاز، وأن المعايير لم تكن موضوعية أو معلنة، ما جعل المشهد يبدو وكأنه قائمة انتقائية لا تضم بالضرورة الأكثر تأثيرا ولا الأكثر عطاء.
وعلى الضفة الأخرى، برزت أصوات من داخل الوسط الرياضي تسجل استياءها من تجاهل لاعبين وإداريين سابقين تركوا بصمات عميقة، ومدربين حققوا إنجازات، ورؤساء وأعضاء أندية أثروا في مسار كرة القدم لعقود طويلة، بل إن بعض الأندية الكبرى التي ساهمت في تأسيس اللعبة أو في صناعة نجومها، لم تمنح المكانة التي تستحقها.
من المدهش أن اتحاد الكرة، رغم بلوغه هذه المرحلة التاريخية، لا يزال يفتقر إلى مرجعية أرشيفية مكتملة يمكن الاعتماد عليها في تحديد من يستحق التكريم، فالتاريخ الرياضي ليس رواية تروى حسب المزاج، بل وقائع موثقة وأرقام وشخصيات شكلت الذاكرة الجماعية للعبة.
وفي ظل غياب إعلان رسمي يوضح آلية الاختيار، ترك الاتحاد الباب مفتوحا لتفسيرات عديدة، بدءا من الاتهامات بالمحاباة، وصولا إلى التساؤلات حول دوافع عملية الاختيار.
لا ينكر أحد أن الحفل كان منظما من حيث الشكل -بحسب حاضرين-، وأن مناسبة الاحتفال بتاريخ ممتد خطوة مهمة وضرورية، لكن الجمال الشكلي لا يعوض النقص في العدالة الرمزية، فالتكريم ليس مجرد درع أو صورة، بل رسالة معنوية حول من يمثل تاريخ كرة القدم الأردنية، ومن تستحق أسماؤهم أن تنتقل من جيل إلى جيل، وحين يشعر الجمهور واللاعبون والإداريون والأندية أن التكريم لا يعكس ذاكرة المجتمع الرياضي، فإن الاحتفال يتحول من فرصة للاعتزاز إلى مناسبة للالتباس.
الكرة الآن في ملعب الاتحاد، إذ لا بد من نشر وثيقة واضحة تشرح معايير التكريم، وتشكيل لجنة أرشيف وتوثيق مستقلة لا تتغير بتغير الإدارات وإعادة النظر في آليات الاحتفاء بالتاريخ، بحيث تشمل أسماء تركت بصمة فعلية وليس مجرد حضور ظرفي والسير نحو ثقافة مؤسسية لتحديد الإنجاز، وتجعل التاريخ ملكا للجميع.
إن الاحتفال بلقب “اليوبيل الماسي” يجب أن يكون لحظة لمراجعة الذات، لا مناسبة تصنع فجوة بين الاتحاد وجمهوره، وبين تاريخ اللعبة وما يروى عنه، وإذا أراد اتحاد الكرة أن يفتح صفحة جديدة مع الإرث الرياضي، فعليه أن يبدأ من تحري الذاكرة قبل أي شيء آخر.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى