«الفيفا» بين مبادئ العدالة الرياضية وضغوط القوة الأميركية

ستادكم سبورت – منذ تأسيس بطولة كأس العالم، كانت كرة القدم تمثل لغة عالمية تتجاوز الحدود السياسية والعرقية والدينية، وتجمع الشعوب تحت راية المنافسة الشريفة والمتعة الرياضية، لكن مع اقتراب انطلاق كأس العالم 2026 في الولايات المتحدة الأميركية وكندا والمكسيك، تبرز تساؤلات مشروعة حول مدى انسجام هذه النسخة مع المبادئ التي طالما تبنى الاتحاد الدولي لكرة القدم «فيفا» الدفاع عنها.
لقد قُدمت استضافة ثلاث دول للبطولة على أنها خطوة تاريخية تعكس عالمية اللعبة، إلا أن الواقع يشير إلى تحديات كبيرة قد تجعل هذه النسخة واحدة من أكثر البطولات تعقيداً من الناحية اللوجستية والاقتصادية والسياسية. فالمشجع الذي اعتاد السفر إلى دولة واحدة ومتابعة منتخبه بسهولة نسبية، أصبح اليوم أمام رحلة طويلة ومكلفة تتطلب التنقل بين دول متعددة ومدن متباعدة، مع ما يرافق ذلك من ارتفاع في أسعار تذاكر الطيران والإقامة والتنقل.
الأخطر من ذلك أن ملف التأشيرات يظل أحد أكبر التحديات التي تواجه جماهير كرة القدم حول العالم. فهناك ملايين المشجعين الذين يحلمون بحضور المونديال، لكن الحصول على تأشيرة دخول قد يتحول إلى عقبة حقيقية تحرم الكثيرين من تحقيق هذا الحلم. وهنا يبرز سؤال مهم: كيف يمكن لبطولة عالمية أن تحقق رسالتها إذا كانت أبوابها ليست مفتوحة بالتساوي أمام جماهير العالم كافة؟
وفي الوقت الذي تؤكد فيه «الفيفا» باستمرار على مبادئ الشمولية والمساواة وعدم التمييز، ظهرت خلال الفترة الماضية مؤشرات تثير القلق بشأن تداخل الاعتبارات السياسية مع الشأن الرياضي، فكل إجراء أو قرار قد يمنع حكماً أو إعلامياً أو مشجعاً أو مسؤولاً رياضياً من المشاركة لأسباب غير رياضية يضع مصداقية تلك المبادئ على المحك، ويطرح تساؤلات حول مدى استقلالية الرياضة عن الحسابات السياسية.
ولا أحد يعترض على حق أي دولة في حماية أمنها وتطبيق قوانينها، لكن الأمر يختلف عندما تتحول الإجراءات الأمنية إلى حالة من التشدد المفرط أو المعاملة الاستثنائية التي تمنح انطباعاً بأن الرياضة أصبحت خاضعة لسلطة السياسة أكثر من خضوعها لقيم المنافسة العادلة. فالمونديال ليس مؤتمراً سياسياً، بل مهرجاناً عالمياً يفترض أن يشعر فيه الجميع بالترحيب والاحترام.
وفي خضم هذه التحديات، يبرز دور الاتحاد الدولي لكرة القدم الذي يفترض أن يكون الحارس الأول لقيم اللعبة، غير أن المتابع يلاحظ أن «الفيفا» تبدو أقل صرامة عندما يتعلق الأمر بالدول الكبرى ذات النفوذ السياسي والاقتصادي. وهنا تبرز إشكالية خطيرة تتعلق بازدواجية المعايير، فالمعايير التي تفرض بحزم على بعض الدول تصبح أكثر مرونة عندما تكون المصالح الاقتصادية أكبر والنفوذ السياسي أقوى، وهذا ما شهدناه عندما منعت روسيا من كأس العالم وذلك بسبب حرب أوكرانيا ولم نشاهد ايقاف الكيان الصهيوني من المشاركة في التصفيات وانما كان الاتحاد الدولي لكرة القدم بشكل خاص واللجنة الاولمبية الدولية بشكل عام تجاوزت جميع المبادئ والاعراف وكانت نظرتها للقوى العظمى أميركا وماذا تريد فقط ومن هنا يجب ان ننوه بان نجاح كأس العالم لا يقاس بعدد الملاعب الحديثة أو بحجم الإيرادات والعقود التجارية، بل بقدرته على جمع شعوب العالم حول حدث رياضي استثنائي يشعر الجميع بأنه ملك لهم، أما إذا تحولت البطولة إلى حدث نخبوّي تحكمه القيود السياسية والتكاليف الباهظة، فإنها ستفقد جزءاً كبيراً من رسالتها الإنسانية والرياضية.
ويبقى السؤال الذي سيجيب عنه الواقع بعد انطلاق البطولة: هل سيكون مونديال 2026 احتفالاً عالمياً بكرة القدم كما نعرفها، أم نموذجاً جديداً لهيمنة السياسة والمال على اللعبة الأكثر شعبية في العالم؟.

استاذ الادارة الرياضية في الجامعات الكويتية وناشط وكاتب مقالات في الشأن الرياضي الكويتي والعربي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى