أخطر من الخصم….خسارة “النشامى” لم تكن مجرد نتيجة رياضية

د. عريب الطوخلي

ستادكم سبورت – لا أعتقد أن هناك أردنيًا لم يشعر بالألم بعد المباراة الأخيرة. فالخسارة لم تكن مجرد نتيجة رياضية، بل كانت خيبة أمل جماعية، لحظة شعر فيها كثيرون أن حلمًا اقترب ثم ابتعد. الغضب مفهوم، والحزن مفهوم، فمن يحب وطنه ومنتخبه بصدق يتألم حين يراه يتعثر.

لكن ما استوقفني لم يكن الخسارة نفسها، بل ما تبعها. ففي الوقت الذي كان فيه اللاعبون يحاولون استيعاب ما جرى، تحولت منصات التواصل الاجتماعي إلى ساحات للتنمر الجماعي. أصبحت أخطاء اللاعبين مادة للسخرية، وأُعيد تداول اللقطات وتضخيمها، وكأننا لا نتحدث عن بشر أمضوا سنوات من أعمارهم في التدريب والتضحية، بل عن أشخاص لا يشعرون ولا يتألمون.

ومن موقعي كأخصائية نفسية، يفرض سؤال نفسه: لماذا يحدث ذلك؟

عندما يشعر الناس بالإحباط والعجز، يصبح من الأسهل نفسيًا البحث عن “كبش فداء” يُحمَّل مسؤولية الألم. وبدلًا من الاعتراف بأن الرياضة بطبيعتها تقوم على الفوز والخسارة، يختزل البعض المشهد كله في لاعب واحد أو لقطة واحدة. ويشير الباحث في علم نفس الجماهير الرياضية دانيال وان، أستاذ علم النفس في جامعة موراي ستيت، إلى أن الجماهير كثيرًا ما تنسى حقيقة بسيطة، وهي أن اللاعب إنسان يعيش الضغط والخوف والأمل مثل أي شخص، وربما أكثر.

وهنا يكمن الجرح الحقيقي. فالهجوم القادم من المنافس متوقع ويمكن استيعابه، أما حين يأتي من الجماهير التي حمل اللاعب علمها على صدره ودافع عنها أمام العالم، فإن أثره النفسي يكون أعمق بكثير. فالقبول الاجتماعي ليس ترفًا، بل حاجة إنسانية أساسية، والإنسان الذي يتعرض للإهانة من جماعته يشعر بأن انتماءه وكرامته أصبحا موضع تهديد.

وحين يتحول النقد إلى تجريح وإهانة، فإنه لا يُصلح أداءً، بل قد يحطم معنويات ويكسر أرواحًا.

ولا يقف أثر ذلك عند اللاعبين وحدهم، بل يمتد إلى آلاف الأطفال الذين يحلمون بارتداء قميص المنتخب يومًا ما. هؤلاء يشاهدون ما يحدث، وقد لا يكون السؤال الذي يدور في أذهانهم: “هل أنا جيد بما يكفي؟”، بل: “هل سيظل الناس يحبونني إذا أخطأت؟”

وهنا تكمن المشكلة الحقيقية؛ فنحن لا نغرس فيهم حب الرياضة فقط، بل قد نغرس – من حيث لا نشعر – ثقافة الحب المشروط.

وقد بينت أبحاث عالمة النفس التربوي كارول دويك أن الأطفال الذين يُشجَّعون على الجهد والمثابرة يصبحون أكثر قدرة على مواجهة التحديات، بينما يؤدي ربط قيمة الإنسان بالنجاح وحده إلى زيادة الخوف من الفشل والتردد في خوض التجارب الجديدة.

وهذا ينطبق تمامًا على الرياضي. فاللاعب الذي يدخل الملعب وهو يخشى ردود الأفعال لن يتخذ القرار الجريء نفسه الذي يتخذه اللاعب الواثق من دعم جماهيره. وعلم النفس الرياضي يؤكد أن الخوف من العقاب الاجتماعي ينعكس على جودة الأداء، حتى وإن لم يظهر ذلك في الإحصاءات. فكثير من التمريرات، والتسديدات، والقرارات الحاسمة تُفقد بسبب الخوف لا بسبب ضعف الإمكانات.

ولعل ما حدث مع المنتخب الياباني بعد خروجه من كأس العالم 2022 يقدم درسًا بليغًا. فقد حافظ اللاعبون والجماهير على احترامهم لأنفسهم وللآخرين، وتركوا خلفهم صورة حضارية خلدها العالم، مؤكدين أن كرامة الإنسان لا ترتبط بنتيجة مباراة.

قبل أن نكتب تعليقًا غاضبًا أو نشارك مقطعًا ساخرًا، فلنسأل أنفسنا: لو كان هذا اللاعب ابني، هل كنت سأكتب هذه الكلمات؟

والسؤال الأعمق: ماذا تعكس ردود أفعالنا عنّا نحن؟ فكم منا نشأ على فكرة أن المحبة تُمنح عند النجاح وتُسحب عند الفشل؟ وإذا كنا قد تألمنا يومًا من هذه الرسالة، فلماذا نعيد إنتاجها اليوم تجاه شباب يمثلون الأردن أمام العالم؟

لقد ورث الأردنيون ثقافة أصيلة تقوم على الشهامة والرحمة والوقوف مع الإنسان في شدته قبل فرحه. ورحمة الإنسان لا تظهر عندما يرفع الكأس، بل عندما يسقط ويحاول النهوض من جديد. عندها فقط تُختبر أخلاق المجتمعات.

إن المطالبة بالتطوير والمحاسبة حق مشروع، بل هي ضرورة لأي مشروع رياضي ناجح، لكن هناك فرقًا كبيرًا بين النقد المسؤول الذي يهدف إلى الإصلاح، وبين الإذلال الجماعي الذي لا ينتج إلا الخوف والإحباط.

فالشعوب لا تُعرف فقط بطريقة احتفالها بالانتصارات، بل بطريقة تعاملها مع أبنائها عندما تتعثر أحلامهم.

هذا الأسبوع، امنحوا لاعبينا كلمةً يدخلون بها إلى الملعب بثقة، لا بخوف. اكتبوا ما يعيد إليهم الإيمان بأن خلفهم شعبًا يساندهم في الانكسار كما يصفق لهم في الانتصار.

وأنا أبدأ…

الأردن ناداك… ولبيت يا نشمي.

*محلله نفسيه وبروفيسور بجامعة نوفا ساوث إيسترن / فلوريدا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى