نشأت أكرم قبل أن تحاسب الأردن ومصر على المال راجع تاريخ الكرة!

أ.د. زياد ارميلي
ستادكم سبورت  – لا أعرف ما الذي كان يفكر فيه النجم العراقي السابق نشأت أكرم عندما اختار أن يختزل مشاركة منتخبي الأردن ومصر، في حال تمت دعوتهما للمشاركة في بطولة كأس الخليج، بأنها ستكون بحثا عن المال والجوائز، وأنهما لن يقدما أي إضافة فنية للبطولة. لكنني أعرف أن هذا الكلام لا يليق بلاعب دولي سابق بحجم نشأت أكرم، ولا يليق بمكانة منتخبين عربيين لهما من التاريخ والحضور والإنجازات ما يجعل اختزالهما بهذه الصورة أمرا مستغربا ومرفوضا.
من حق نشأت أكرم أن يناقش جدوى دعوة أي منتخب إلى أي بطولة، ومن حقه أن يرى أن منتخبا ما قد يكون أكثر فائدة فنيا من منتخب آخر، فهذا جزء من النقاش الرياضي المشروع، لكن أن يتحول التحليل الفني إلى قراءة لنوايا اللاعبين والمنتخبات، وأن يقال إن الأردن ومصر سيأتيان من أجل المال فقط، فهذا تجاوز للمنطق الرياضي وخارج حدود الأدب واللباقة ويعبر عن وجهة نظر غير أخلاقية بإختزال هذه المشاركة من أجل المال فقط.
ولنبدأ من الأردن، لأن الوقائع القريبة وحدها كافية للرد على هذا الكلام السخيف ، هذا المنتخب الذي قيل إنه لن يقدم إضافة فنية هو نفسه الذي وصل إلى نهائي كأس آسيا 2023، ووقف في المباراة النهائية أمام المنتخب القطري، ثم واصل تطوره ليبلغ نهائي كأس العرب 2025، قبل أن يكتب صفحة تاريخية غير مسبوقة بتأهله للمرة الأولى إلى نهائيات كأس العالم 2026. ولم يكن تأهل النشامى إلى المونديال صدفة أو هدية، بل جاء نتيجة مسيرة تصاعدية أثبت خلالها المنتخب الأردني أنه أصبح قوة كروية آسيوية وعربية تستحق الاحترام.
ثم ذهب الأردن إلى كأس العالم، وواجه منتخبات بحجم الأرجنتين والنمسا والجزائر، وهي منتخبات لا تحتاج إلى تعريف بقيمتها العالمية، ونجح في التسجيل أمامها جميعا، وقدم في ظهوره المونديالي الأول صورة منتخب عربي استطاع أن يصل إلى أكبر مسرح كروي في العالم بعد سنوات من العمل والتطور.
فهل يعقل بعد كل ذلك أن يقال إن منتخب الأردن لن يقدم أي إضافة فنية؟! وهل أصبحت قيمة المنتخب تقاس فقط بعدد البطولات التي يحملها في خزائنه؟ إذا كان الأمر كذلك، فكم منتخبا في العالم يستطيع أن يدخل أي بطولة بهذه الشروط؟
أما مصر يا ( محترم )فالقصة مختلفة في التفاصيل لكنها أكثر رسوخا في التاريخ. نحن نتحدث عن منتخب هو صاحب الرقم القياسي في عدد ألقاب كأس الأمم الأفريقية، بسبعة ألقاب، وعن منتخب صاحب تاريخ طويل في كرة القدم العالمية والقارية والعربية، شارك في كأس العالم عدة مرات، وتأهل إلى مونديال 2026 للمرة الرابعة في تاريخه، وواصل حضوره القوي في كأس أمم أفريقيا الأخيرة بوصوله إلى الدور نصف النهائي.

فأي منطق كروي يجعل مشاركة مصر بلا إضافة؟ وهل تحتاج مصر، بتاريخها ونجومها وخبرتها القارية والدولية وجماهيرها الهائلة، إلى شهادة من أحد ومنك أيضا حاقد كي تثبت أنها قادرة على إضافة شيء إلى بطولة عربية؟
ثم نصل إلى العبارة التي أراها الأكثر غرابة في حديث نشأت أكرم:( المال) منذ متى أصبح الحصول على المال في كرة القدم تهمة؟ اللاعب المحترف يتقاضى أجرا، والمدرب يتقاضى أجرا، والاتحاد يحصل على عوائد، والبطولات نفسها تقوم على الجوائز والرعاية وحقوق البث والتسويق. هذه هي كرة القدم الحديثة، وليست صدقة يقدمها أحد لأحد.
المال ليس عيبا، والبحث عن المكافأة ليس جريمة، والمشاركة في بطولة تحقق عوائد مالية للمنتخب واللاعبين ليست انتقاصا من قيمة المشاركة. المشكلة ليست في أن يحصل الإنسان على المال مقابل عمله، وإنما في أن يحصل عليه دون أن يقدم مقابله قيمة حقيقية. وهنا تحديدا يكون الملعب هو الحكم.
أما أن نقرر مسبقا أن الأردن أو مصر ذاهبون إلى بطولة ما من أجل المال فقط، فهذا ليس تحليلا فنيا، وإنما افتراض لنوايا لا يمكن لأحد أن يعرفها ولكن انا أعرفها.
والأغرب أن يصدر هذا الكلام من لاعب عربي سابق يعرف أكثر من غيره ماذا يعني أن ترتدي قميص المنتخب. فالمنتخب الوطني ليس مشروعا تجاريا عابرا، واللاعب عندما يرتدي قميص بلاده لا يحمل عقدا ماليا فقط، وإنما يحمل تاريخ شعب وجماهير وراية وطن. ومن الظلم أن نحاكم تلك المشاعر والرمزية من خلال الحسابات المالية.
وإذا كان المقصود أن البطولة الخليجية يجب أن تحافظ على هويتها وأن تكون المشاركة الخارجية ذات جدوى فنية، فهذا نقاش محترم ومشروع، ويمكن أن يخضع لمعايير واضحة تتعلق بمستوى المنتخبات، وقوة المنافسة، وبرنامج البطولة، والفائدة الفنية للمنتخبات الخليجية والضيوف على حد سواء. أما تحويل النقاش إلى اتهام مباشر للأردن ومصر بأنهما تبحثان عن المال فقط، فهو إساءة لا تخدم كرة القدم العربية ولا تعكس الروابط التي يفترض أن تجمع الأشقاء.
والحقيقة أن الأردن لا يحتاج إلى أن يستجدي اعترافا بقيمته من أحد، كما أن مصر لا تحتاج إلى من يقدم لها شهادة بتاريخها الكروي. لكل منهما تاريخه وإنجازاته وحضوره وجماهيره، ولكل منهما الحق في قبول الدعوات أو رفضها وفق مصالحه الفنية والرياضية، بعيدًا عن الأحكام المسبقة.
يا كابتن نشأت، يمكن أن نختلف في الرأي، ويمكن أن ننتقد قرار دعوة هذا المنتخب أو ذاك، ويمكن أن نناقش الفائدة الفنية بالأرقام والمستويات، لكن لا يجوز أن نحول اختلافنا إلى انتقاص من منتخبات عربية شقيقة، ولا أن نضع نوايا اللاعبين والاتحادات في خانة واحدة وكأننا نملك مفاتيح قلوبهم ، لذلك أنصحك بالذهاب الى حضورك لدورة متخصصة في فن صياغة الكلام وتهذيب مخرجات الحديث.
الأردن الذي وصل إلى نهائي آسيا، وبلغ نهائي كأس العرب، وتأهل للمرة الأولى إلى كأس العالم، ليس منتخبا يبحث عن دعوة كي يثبت وجوده. ومصر التي تحمل الرقم القياسي في كأس أفريقيا وتملك تاريخا طويلا في القارة والعالم العربي ليست بحاجة إلى أن تدافع عن شرعيتها الكروية.
وفي النهاية، إذا جمعت البطولة يوما بين الأردن ومصر ومنتخبات الخليج، فلن تكون التصريحات هي التي تحدد من يضيف ومن لا يضيف، ولن تكون الأموال هي التي تحكم على قيمة المنتخبات، وإنما سيكون الملعب هو الحكم.
هناك، فوق العشب، تسقط كل الأحكام المسبقة، وتبقى الحقيقة الوحيدة التي لا تجامل أحدا: كرة القدم تتحدث بالقدمين، لا بالميكروفونات.
 استاذ جامعي/ كلية علوم الرياضه/ الجامعه الاردنية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى