عسيلة يكتب…حين تتحول إصابة لاعب إلى ساحة للعبث الإعلامي

بقلم: د. ماجد عسيلة
ستادكم سبورت ـ لم تكن إصابة لاعب المنتخب الوطني لكرة القدم يزن النعيمات، التي شخصت بقطع في الرباط الصليبي مع اشتباه بإصابة غضروفية، مجرد حدث رياضي عابر، بل كانت صدمة مؤلمة للجماهير الأردنية والعربية التي رأت في اللاعب أحد أعمدة الحلم الكروي القادم، سواء في استكمال مشوار المنتخب في بطولة كأس العرب المقامة حاليا في الدوحة، أو في الآمال المعلقة على مشاركة مشرفة في كأس العالم المقبلة.
لكن المؤلم في القصة لم يكن الإصابة بحد ذاتها، فالإصابات جزء لا يتجزأ من عالم الاحتراف الرياضي، وإنما ما رافقها من فوضى إعلامية غير مسبوقة، تمثلت في سيل من الآراء غير المتخصصة والتشخيصات المرتجلة والنصائح الطبية “الافتراضية” التي أطلقها ما يمكن تسميتهم بـ”جيوش الخبراء”، فخلال ساعات قليلة تحولت منصات التواصل الاجتماعي وبعض البرامج الرياضية إلى غرف عمليات مفتوحة يشخص فيها الرباط الصليبي عن بعد، وتحدد أنواع العمليات الجراحية ومدة الغياب وبرامج التأهيل، وكأن الأمر لا يتطلب فحصا سريريا ولا صورا شعاعية ولا خبرة طبية متخصصة.
هرطقات لا تمت للواقع العلمي بصلة، لكنها وجدت طريقها للأسف إلى الشاشات عبر استضافة شخصيات لا تملك من الخبرة سوى الجرأة على الكلام.
الأخطر من ذلك أن هذا الضجيج الإعلامي الهش وضع الكوادر الطبية المختصة في الاتحاد وأصحاب القرار العلاجي الحقيقي في دهشة وموقف لا يحسدون عليه؛ بين التزامهم بالمنهج العلمي الهادئ وبين صخب شعبوي يضغط باتجاه قرارات متسرعة، أو على الأقل يزرع الشك في كل خطوة مدروسة ستتخذ.
لا يمكن تجاهل الأثر النفسي لهذه الفوضى على اللاعب نفسه وهو في لحظة إنسانية ومهنية حساسة، بحاجة ماسة إلى الدعم النفسي والطمأنينة والثقة، لا إلى سماع سيناريوهات سوداوية أو وعود علاجية خيالية تبث على الهواء مباشرة، فمعنويات اللاعب المصاب ليست تفصيلا ثانويا، بل جزء أصيل من نجاح العلاج وعودة اللاعب أقوى مما كان.
إن المسؤولية هنا لا تقع فقط على أصحاب الآراء الوهمية، بل على بعض المنابر الإعلامية التي فتحت أبوابها لكل من هبّ ودب، متخلية عن أبسط معايير المهنية والتحقق، ومقدمة “الإثارة” على حساب صحة لاعب ومستقبل منتخب بأكمله.
الإصابات الكبرى تعالج في العيادات وغرف العمليات ومراكز التأهيل المتخصصة، لا في الاستوديوهات ولا في التعليقات.. ما يحتاجه يزن اليوم ليس خبيرا إضافيا على فيسبوك أو محللا طبيا على الهواء، بل بيئة هادئة وقرارا طبيا مبنيا على العلم، ودعما جماهيريا صادقا يثق بأهل الاختصاص، وما يحتاجه إعلامنا الرياضي هو وقفة مراجعة حقيقية قبل أن يتحول من ناقل للحدث إلى شريك في إيذاء أبطاله.





