ارميلي يرد على خوري… هل النتائج وحدها معيار النجاح في كأس العالم؟

أ.د.زياد ارميلي
ستادكم سبورت ـ تابعت باهتمام ما كتبه الأستاذ طارق خوري حول مشاركة المنتخب الوطني في نهائيات كأس العالم، والذي أكد فيه أن كرة القدم لا تعترف إلا بالنتائج، وأن كل ما عدا ذلك لا يعدو كونه مبررات لا تغير من واقع الخروج من الدور الأول.
وأود بداية أن أوضح أنني أتفق مع الأستاذ خوري في أن النقد حق، وأن المراجعة والمحاسبة ضرورة لأي منظومة رياضية تسعى إلى التطور، لكنني أختلف معه في المعيار الذي بني عليه تقييم المشاركة. فالحكم على تجربة بحجم المشاركة في كأس العالم لا يمكن أن يختزل في النتائج وحدها، لأن هذا يتعارض مع المبادئ العلمية في تقييم الأداء الرياضي، ويتجاهل الفوارق الحقيقية بين المنتخبات.
في علم التدريب الرياضي وتحليل الأداء، لا تقيم المنتخبات بالطريقة نفسها، بل تؤخذ بعين الاعتبار إمكانات كل منتخب، ومستوى المنافس، والفجوة الفنية والبدنية والخططية، ومرحلة تطور المشروع الرياضي. ومن هنا، فإن وضع المنتخب الأردني في مجموعة ضمت منتخب الأرجنتين، المصنف الأول عالميا، ومنتخب النمسا المصنف (23) عالميًا، ومنتخب الجزائر المصنف (28) عالميًا، يفرض قراءة مختلفة للنتائج.
فهل من المنطق العلمي أن نحاكم منتخبا ما زال في بداية تجربته المونديالية بالمعايير نفسها التي نحاكم بها منتخبات بنت منظوماتها الاحترافية على مدى عقود؟
هذه المنتخبات لا تتفوق علينا في أسماء اللاعبين فقط، بل في منظومات كاملة تشمل البنية التحتية، والاحتراف، والاستثمار في الفئات العمرية، وتأهيل المدربين، والعلوم الرياضية، والتحليل الرقمي، والطب الرياضي، وجودة المسابقات المحلية، وهي عناصر تراكمت عبر سنوات طويلة من التخطيط والعمل المؤسسي.
ولهذا، فإن مقارنة الأردن بهذه المنتخبات من خلال النتيجة فقط تعد مقارنة تفتقد إلى العدالة العلمية، لأنها تتجاهل الفوارق في الإمكانات والموارد والخبرة الدولية.
وفي علم تحليل الأداء (Performance Analysis) لا تعد النتيجة المؤشر الوحيد للحكم على نجاح الفريق، بل يتم تقييم جودة الأداء، والتنظيم التكتيكي، والانضباط الدفاعي، والقدرة على تنفيذ الواجبات الخططية، ومعدل خلق الفرص، والقدرة على مجاراة المنافس، ومدى الالتزام بالهوية الفنية للفريق.
ولو نظرنا إلى مشاركة منتخبنا بهذه المعايير، لوجدنا أن المنتخب قدم مباريات تنافسية، ولم يكن مجرد ضيف شرف، بل نافس منتخبات تفوقه تصنيفا وإمكانات، وقدم صورة مشرّفة لكرة القدم الأردنية، وهو ما يمثل مؤشرًا واضحا على تطور الأداء، حتى وإن لم تنعكس هذه الأفضلية في النتائج النهائية.
إن الوصول إلى كأس العالم لم يكن إنجازا عابرا أو ضربة حظ، بل جاء نتيجة عمل تراكمي امتد سنوات، وهو بحد ذاته محطة تاريخية في مسيرة الكرة الأردنية. ومن الخطأ أن نهدم هذا البناء بسبب ثلاث مباريات أمام منتخبات تُعد من نخبة كرة القدم العالمية.
لقد أثبتت التجارب العالمية أن الإنجازات الكبرى لا تبنى بردود الأفعال، وإنما بالتخطيط الاستراتيجي طويل المدى.
ولعل التجربة اليابانية تمثل أفضل مثال على ذلك. ففي بداية التسعينيات وضعت اليابان مشروعا وطنيًا شاملا لتطوير كرة القدم، بدأ بتأسيس دوري محترف، وتطوير الفئات العمرية، وتأهيل المدربين، والاستثمار في البنية التحتية والعلوم الرياضية، ووضع أهداف تمتد لعقود. ولم تظهر نتائج هذا المشروع فورا، بل احتاج إلى سنوات من الصبر والعمل، حتى أصبحت اليابان اليوم من القوى الثابتة في كأس العالم، وقادرة على منافسة أكبر المنتخبات.
كما أن نادي لايبزيغ الألماني يقدم نموذجا آخر في التخطيط المؤسسي، إذ لم يكن هدفه تحقيق نجاح سريع، بل بناء منظومة تعتمد على اكتشاف المواهب، والتطوير العلمي، والتحليل الرقمي، والاستثمار طويل الأمد، وهو ما جعله خلال سنوات قليلة أحد أبرز أندية ألمانيا وأوروبا.
إن الرسالة التي تقدمها هذه النماذج واضحة ، الإنجازات المستدامة لا تصنعها القرارات الانفعالية، بل تصنعها الرؤية، والتخطيط، والاستمرارية.
ولا يعني ذلك إعفاء أي جهة من المسؤولية، فالمراجعة والمحاسبة عنصران أساسيان في الإدارة الرياضية الحديثة، لكن المحاسبة ينبغي أن تكون علمية، وأن تهدف إلى تحسين المنظومة، لا إلى اختزال مشروع كامل في نتيجة بطولة واحدة.
إن المنتخب الأردني اليوم لا يحتاج إلى جلد الذات، بل إلى استثمار ما تحقق، والبناء على الأداء المشرف الذي قدمه، والعمل على تقليص الفجوة مع المنتخبات الكبرى من خلال تطوير الفئات العمرية، وتأهيل المدربين، والارتقاء بالمسابقات المحلية، وتوسيع قاعدة الممارسة، وتعزيز الاستثمار في علوم الرياضة.
ختاما، أختلف مع الأستاذ طارق خوري في أن النتائج وحدها هي معيار النجاح. فالنتائج تمثل نهاية العملية، أما الأداء فهو مؤشر المستقبل. وعندما يأتي الأداء التنافسي أمام منتخبات من الصف الأول عالميا، فإن ذلك يعني أن المشروع يسير في الاتجاه الصحيح، وأن المطلوب ليس هدمه، بل تطويره والصبر عليه، لأن الإنجازات الكبرى لا تصنع في بطولة واحدة، وإنما تبنى عبر سنوات من التخطيط العلمي والعمل المؤسسي.
أستاذ جامعي/ كلية علوم الرياضه/ الجامعه الاردنيه.





