قراءة فنية لمباراة منتخب “النشامى” أمام نظيره السويسري

أ.د. زياد أرميلي

ستادكم سبورت  – خسر منتخبنا الوطني أمام نظيره السويسري بنتيجة أربعة أهداف مقابل هدف في مباراة ودية جاءت ضمن التحضيرات لنهائيات كأس العالم 2026، إلا أن أهمية هذه المباراة لا تكمن في النتيجة بقدر ما تكمن في القيمة الفنية والتكتيكية التي يمكن استخلاصها منها.
في اعتقادي، فإن هذه المباراة كانت فرصة مهمة للجهاز الفني بقيادة المدرب جمال السلامي للوقوف على مستوى المنتخب عند مواجهة منتخبات أوروبية تمتلك سرعة عالية في التحول، وانضباطا تكتيكيا كبيرا، وقدرات بدنية وفنية متقدمة. كما أن المنتخب السويسري يعد قريبا من حيث الفكر الكروي والتنظيم الجماعي للمنتخب النمساوي الذي سيواجهه منتخبنا في نهائيات كأس العالم، مما يجعل هذه المباراة بمثابة اختبار حقيقي لما ينتظر النشامى في المونديال.
من الناحية التكتيكية، بدا واضحاً أن المدرب جمال السلامي حاول تطبيق أسلوب لعب مختلف عن الأسلوب المعتاد الذي اعتاد عليه منتخبنا الوطني خلال السنوات الأخيرة. فقد اتجه إلى اللعب بطريقة 5-3-2 التي تعتمد على الكثافة الدفاعية والدفاع المنخفض وإغلاق المساحات أمام المنافس، مع إعطاء أدوار دفاعية أكبر للاعبي الأطراف ولاعبي الوسط.

هذا النهج يقترب إلى حد كبير من فلسفة الكاتيناتشو الإيطالية التي تقوم على التنظيم الدفاعي الصارم والاعتماد على الهجمات المرتدة السريعة. إلا أن المشكلة الأساسية تكمن في أن هذا الأسلوب جديد على لاعبي المنتخب الأردني، ولم يكن جزءا من الهوية التكتيكية التي اعتاد عليها الفريق في السنوات الماضية.

لذلك ظهر التخبط واضحا خلال الشوط الأول، حيث عانى اللاعبون من صعوبة في تطبيق الواجبات الدفاعية الجديدة، خصوصا في عملية التغطية العكسية، والتحرك الجماعي للخط الخلفي، والتعامل مع التحولات السريعة للمنتخب السويسري. وانتهى الشوط الأول بتقدم سويسرا بثلاثة أهداف، وهو مؤشر على أن الفريق لم يصل بعد إلى مرحلة الانسجام المطلوبة لتطبيق هذا النظام.
ومن المعروف في علم التدريب الرياضي أن أي تغيير جذري في أسلوب اللعب يحتاج إلى فترة زمنية كافية لإحداث ما يسمى التكيف الأدائي، إذ لا يمكن لأي منتخب في العالم أن يغير فلسفته التكتيكية بين ليلة وضحاها ويحقق النجاح مباشرة. فالتنظيم الدفاعي المعقد يحتاج إلى تكرار تدريبي طويل وإلى عدد كبير من المباريات حتى تتحول التحركات إلى سلوك تلقائي لدى اللاعبين.
ايضا المدرب السلامي قام بإجراء عدد كبير من التبديلات خلال المباراة، وهو أمر يحمل جانبين مختلفين.
الجانب الإيجابي يتمثل في رغبته في الوقوف على جاهزية أكبر عدد ممكن من اللاعبين قبل الدخول في أجواء كأس العالم، ومنح الفرصة لعناصر متعددة لاختبار قدرتها على تنفيذ التعليمات التكتيكية الجديدة.
أما الجانب السلبي فيتمثل في أن كثرة التبديلات تؤثر على الانسجام الجماعي داخل الملعب، خصوصاً عندما يكون الفريق بصدد تجربة أسلوب لعب جديد يحتاج إلى استقرار أكبر في التشكيل حتى يتمكن اللاعبون من فهم أدوار بعضهم البعض بشكل أفضل.
وبالنظر إلى التشكيلة الأساسية، فقد شارك يزيد أبو ليلى في حراسة المرمى، وأمامه خط دفاع ضم يزن العرب ومحمد أبو النادي وسعد الروسان، بينما شغل إحسان حداد ومهند أبو طه أدوار الأطراف مع واجبات دفاعية كبيرة، ولعب نور الروابدة ونزار الرشدان في وسط الملعب إلى جانب محمود المرضي، بينما قاد موسى التعمري وعلي علوان الخط الأمامي.

وكانت مسؤولية المدافعين الثلاثة تتمثل في تقليل المساحات أمام ثلاثي الهجوم السويسري المكون من إمبولو وندوي وفارغاس، بينما كلف لاعبا الطرف بالعودة المستمرة لتشكيل خط دفاع خماسي عند فقدان الكرة. أما لاعبو الوسط فكان مطلوباً منهم إغلاق العمق والحد من تأثير غرانيت تشاكا وفرويلر في بناء اللعب.
لكن المنتخب السويسري من وجهة نظري نجح في استغلال المساحات بين خطوط المنتخب الأردني، خصوصاً في منطقة أنصاف المساحات (Half Spaces)، كما استفاد من سرعة تداول الكرة والتحرك المستمر دون كرة، وهو ما سبب ارتباكا دفاعيا واضحا خلال فترات طويلة من الشوط الأول.

في المقابل، ظهر منتخبنا بصورة أفضل خلال بعض فترات الشوط الثاني بعد إجراء التبديلات، وتمكن عودة الفاخوري من تسجيل هدف جميل بعد تحرك هجومي منظم بدأ بلمسة فنية من موسى التعمري، وهو ما يؤكد أن المنتخب يمتلك قدرات هجومية جيدة عندما يلعب بأسلوب أكثر تحرراً.
ومن وجهة نظري، فإن اجتهاد المدرب جمال السلامي في البحث عن حلول تكتيكية جديدة يحسب له ولا يحسب عليه، لأن المدرب الناجح هو الذي يحاول تطوير فريقه واكتشاف بدائل متعددة قبل البطولات الكبرى. وربما يدرك السلامي نفسه أن توقيت تطبيق هذا الأسلوب الجديد لم يكن مثالياً، وأن اللاعبين لم يحصلوا على الوقت الكافي للتأقلم معه.

ولهذا أعتقد أن الجهاز الفني سيستفيد كثيرا من هذه التجربة، وسيعيد تقييم العديد من التفاصيل الدفاعية والتنظيمية التي ظهرت خلال المباراة. كما أرى أن العودة إلى أسلوب 3-4-3 الذي اعتاد عليه النشامى خلال السنوات الماضية قد تكون الخيار الأقرب في المرحلة الحالية، لأنه النظام الذي حقق من خلاله المنتخب أفضل درجات الانسجام والاستقرار الفني، ويمنح لاعبين مثل موسى التعمري وعلي علوان ومحمود المرضي حرية هجومية أكبر تتناسب مع إمكاناتهم وكنت اتمنى مشاركة اللاعب إبراهيم صبرة والذي أعتقد أنه يمتلك مقومات بدنية ومهارية وجودة أداء تؤهله لإحداث مشاكل لدفاعات الفريق الخصم.

وفي النهاية، تبقى هذه المباراة درساً فنياً مهماً أكثر منها نتيجة يجب التوقف عندها. فالمنتخبات الكبيرة تستفيد من أخطائها في المباريات الودية قبل البطولات الكبرى، والأهم هو قدرة الجهاز الفني على قراءة هذه الأخطاء وتصحيحها. وإذا نجح السلامي في الاستفادة من دروس المباراة السويسرية، فقد تتحول هذه الخسارة إلى محطة مفيدة في طريق إعداد منتخبنا الوطني لخوض أول مشاركة في تاريخه بكأس العالم.

مدرس في كلية الرياضة بالجامعة الأردنية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى