ارميلي يكتب ….قراءة في مشاركة الأردن المونديالية

أ.د.زياد ارميلي
ستادكم سبورت -انتهت رحلة المنتخب الأردني في نهائيات كأس العالم عند الدور الأول، لكن هذه النهاية لا ينبغي أن تقرأ بمنطق النتائج وحدها، بل بمنطق التجربة والقيمة المضافة. فالمنتخبات الصغيرة لا تقاس في مشاركتها الأولى بعدد النقاط فقط، وإنما بما تتركه من انطباع، وما تكتسبه من خبرات، وما تبنيه للمستقبل. ومن هذا المنطلق، يمكن القول إن الأردن خرج من البطولة مرفوع الرأس، بعدما قدم ثلاث مباريات اتسمت بروح تنافسية عالية وأداء استحق احترام المتابعين.
لقد واجه المنتخب الأردني ثلاثة منتخبات تتفوق عليه في معظم المؤشرات الفنية والبدنية الأرجنتين بطلة العالم، والنمسا صاحبة المنظومة البدنية والانضباط التكتيكي، والجزائر التي تمتلك خبرة طويلة في المنافسات العالمية. ورغم هذا التفاوت الواضح في الإمكانات، لم يكن الأردن خصما مستسلما، بل فرض شخصيته في فترات طويلة من المباريات، وجعل منافسيه يبذلون أقصى ما لديهم لتحقيق الفوز.
ومن أهم المكاسب التي خرج بها المنتخب أن الفارق بينه وبين المنتخبات الكبرى لم يعد فارقا في الشجاعة أو الشخصية داخل الملعب، وإنما في التفاصيل الدقيقة التي تصنع الفارق في البطولات الكبرى, جودة التنفيذ، وعمق دكة البدلاء، والخبرة في إدارة اللحظات الحاسمة، وهي عناصر يمكن تطويرها بالعمل والتخطيط.
وعلى المستوى الفردي، برز أكثر من لاعب بصورة لافتة. فقد توج علي علوان بجائزة أفضل لاعب في مباراة النمسا، في رسالة تؤكد أن اللاعب الأردني قادر على المنافسة في أعلى المستويات. كما سجل نور الروابدة رقماً بدنياً مميزاً باقترابه من 13 كيلومتراً من الركض خلال إحدى المباريات، وهو مؤشر يعكس الجاهزية البدنية والانضباط التكتيكي. أما مهند أبو طه، فكان من أكثر اللاعبين نجاحا في افتكاك الكرة، مقدما نموذجا للاعب العصري الذي يجمع بين الالتزام الدفاعي والقدرة على استعادة الاستحواذ. وفي الجانب الهجومي، نجح المنتخب في تسجيل ثلاثة أهداف عبر علي علوان، ونزار الرشدان، وموسى التعمري، وهو أمر يؤكد أن الفريق لم يكن مجرد مدافع، بل امتلك الجرأة للوصول إلى مرمى منافسيه.
ورغم الخروج المبكر، فإن المنتخب كان قريبا جدا من تحقيق نتائج أفضل، خاصة أمام النمسا والجزائر، حيث وقف سوء التوفيق وبعض التفاصيل الصغيرة حائلاً دون حصد النقاط. أما أمام الأرجنتين، فقد قدم الأردن واحدة من أكثر مبارياته نضجا، ونجح الثنائي يزن العرب وعبدالله نصيب وأبو الذهب في الحد من خطورة الهجوم الأرجنتيني وتقليل الفرص المباشرة، في أداء دفاعي يعكس تطورا واضحا في التنظيم والانضباط.
وفي المقابل، كشفت البطولة عن بعض الجوانب التي تحتاج إلى تطوير. فقد ظهرت الحاجة إلى مزيد من الاستقرار في مركز حراسة المرمى، إضافة إلى تحسين التمركز الدفاعي في الكرات الثابتة، وهي تفاصيل كثيرا ما تحسم مباريات كأس العالم. كما أن المنتخب بحاجة إلى زيادة العمق في الخيارات البديلة، لأن البطولات الكبرى لا تحسم بأحد عشر لاعبا فقط، بل بقائمة كاملة قادرة على المحافظة على المستوى نفسه.
ومن خلال قراءة هذه المشاركة، يمكن استخلاص حقيقة مهمة وهي الأردن لم يعد منتخبا يشارك لاكتساب الخبرة فقط، بل أصبح قادرا على منافسة منتخبات كبيرة وإجبارها على احترامه. وهذا التحول هو ثمرة سنوات من العمل، لكنه في الوقت ذاته يفرض مسؤولية أكبر للحفاظ على هذا المستوى وعدم اعتباره نهاية الطريق.
المرحلة المقبلة يجب أن تقوم على رؤية استراتيجية واضحة، تبدأ بتطوير البنية التحتية للملاعب، والاستثمار الحقيقي في الفئات العمرية، وتأهيل المدربين وفق أحدث المدارس التدريبية، وتوسيع قاعدة الممارسة، والاعتماد على التحليل الرقمي والعلوم الرياضية في إعداد اللاعبين، إلى جانب توفير احتكاك مستمر مع مدارس كروية متنوعة. فالمنتخبات التي أصبحت اليوم من القوى العالمية، مثل اليابان وكوريا الجنوبية، لم تصل إلى ما وصلت إليه بالمصادفة، بل عبر مشروع طويل المدى التزمت به الاتحادات والأندية والمؤسسات الرياضية.
إن ما قدمه المنتخب الأردني في هذه البطولة يجب ألا يختزل في عبارة (خرج من الدور الأول) فهناك خروج ينتهي معه الحلم، وهناك خروج يفتح أبواب المستقبل. والأردن اختار الطريق الثاني. لقد كسب احترام العالم، وهذا ما أشادت به الصحف العالمية وأثبت أن الكرة الأردنية تمتلك مقومات المنافسة، وأن الوصول إلى كأس العالم لم يكن نهاية الإنجاز، بل بداية مرحلة جديدة تتطلب عملا أكثر عمقا واستدامة.
واليوم، لم يعد السؤال هل يستطيع الأردن الوصول إلى كأس العالم؟ بل أصبح السؤال الأهم: كيف نحول هذه المشاركة إلى نقطة انطلاق تجعل حضور الأردن في المونديال أمرا متكررا، وتجعل المنافسة على الأدوار المتقدمة هدفا مشروعا في المستقبل؟ والإجابة تبدأ من الإيمان بأن ما تحقق ليس سقف الطموح، وإنما أول درجات السلم نحو العالمية.
*مدرس في كلية علوم الرياضة/ الجامعه الأردنيه





