عندما تتحول “عدالة المونديال” إلى صفقات خلف الكواليس

بقلم: د. ماجد عسيلة

ستادكم سبورت ـ تواجه كرة القدم العالمية واحدة من أخطر أزماتها الهيكلية والأخلاقية، حيث تجاوزت الانتهاكات حدود “الأخطاء التحكيمية البشرية” لتكشف عن توغل سلطوي وديكتاتورية إدارية غير مسبوقة داخل الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا) بقيادة جياني إنفانتينو.

لقد تحولت البطولة الأكبر والأكثر جماهيرية في العالم إلى مسرح مفتوح لتمرير المصالح السياسية والتسويقية الفجة، مما جعل الإطاحة برأس المنظومة ضرورة حتمية لإنقاذ ما تبقى من نزاهة اللعبة الشعبية الأولى.

تجلت هذه الكوميديا السوداء بشكل فاضح في سلسلة من القرارات المثيرة للجدل، بدأت من استحداث “جائزة فيفا للسلام” وتفصيلها خصيصا لتتويج دونالد ترامب، في مشهد سريالي يعكس مدى ارتهان المؤسسة الرياضية لصناع القرار السياسي.

ولم يتأخر رد الجميل؛ إذ تحولت الصداقة الشخصية إلى خط ساخن للتدخل المباشر في مجريات البطولة، حيث أسفرت مكالمة هاتفية واحدة عن إلغاء عقوبة الإيقاف الدولية الصادرة بحق لاغب أمريكي بعد طرده بالبطاقة الحمراء، في سابقة إدارية نسفت لوائح الانضباط وقوبلت باستهجان واستنكار رسمي من الاتحاد الأوروبي والاتحاد البلجيكي لكرة القدم لا بل العالم أجمع.

وفي مقابل هذه المرونة المفرطة، دفع المنتخب المصري ثمن غياب العدالة التنافسية والكيل بمكيالين في مباراته الدراماتيكية في ثمن النهائي أمام الأرجنتين، فقد شهدت المباراة تحيزا تحكيميا صارخا وتعمدا واضحا في تجاهل تقنية الفيديو في مناسبتين مصيريتين: أسفرت احداهما عن هدف الفوز الأرجنتيني.

لم يكن هذا “العمى الاختياري” للحكام مجرد هفوة، بل سلوكا موهجا لحماية المنتخبات الأكثر جذبا للإعلانات والعائدات المادية، وسحقا لعرق وجهود المنتخبات المجتهدة التي لا تملك نفوذا سياسيا يغفر لها كروتها وعقوباتها.

إن جذر المشكلة يكمن في اللوائح التشريعية الحالية للفيفا، والتي تمنح اللجنة التنفيذية ولجنة الانضباط صلاحيات مطلقة تحت بند “القرارات السيادية غير القابلة للطعن”، مما يتيح لها إلغاء البطاقات، وتغيير نتائج المباريات، أو إعادة لعبها دون تقديم أي مبرر قانوني أو منطقي.

“فيفا” اليوم يمارس دور المشرع والقاضي والجلاد في آن واحد، في غياب تام لأي جهة رقابية دولية مستقلة، لذلك لم تعد الإطاحة بجياني إنفانتينو مجرد رغبة في تغيير وجه إداري، بل هي خطوة استراتيجية ملحة ومفصلية لإحداث “ثورة تشريعية” شاملة.

إن عزل إنفانتينو هو السبيل الوحيد لتجريد “فيفا” من سلطته المطلقة، ونقل الصلاحيات القضائية والتحكيمية بالكامل إلى محكمة التحكيم الرياضية (CAS) لضمان حيادها، كما أن رحيل هذه الحقبة سيفتح الباب لإعادة هيكلة استخدام تقنية الفيديو، عبر إدخال نظام “طلبات التحدي” مثلا (Challenge) للأجهزة الفنية للمنتخبات، لإنهاء مزاجية الحكام.

إن استمرار الإدارة الحالية يعني تصفية ما تبقى من الروح الرياضية وتحويل كرة القدم إلى نص سينمائي مكتوب ومباع مسبقا، والانتفاضة العالمية الحالية ضد إنفانتينو هي طوق النجاة الأخير لاستعادة اللعبة من أيدي السماسرة والسياسيين وإعادتها إلى الجماهير واللاعبين.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى