من الماكينات الألمانية إلى الفوروخا الإسبانية عندما غيرت القيم وجهتي في كرة القدم

أ.د. زياد ارميلي

ستادكم سبورت – لم أكن أتخيل يوماً أن يأتي وقت أغير فيه وجهتي الكروية، وأن أترك منتخبا أحببته وشجعته سنوات طويلة، لأجد نفسي أرفع راية منتخب آخر، وأفرح لانتصاراته، وأحزن لخساراته، وأشعر أنني أصبحت جزءا من حكايته الرياضية.
كنت، لسنوات طويلة، مشجعا للمنتخب الألماني. أحببت فيه الانضباط، والقوة، والتنظيم، والالتزام التكتيكي، وروح الفريق. كنت أرى في كرة القدم الألمانية نموذجا للجدية والعمل والتخطيط، وكنت أتابع المنتخب الألماني بكل شغف واحترام.
لكن الإنسان لا يعيش بالرياضة وحدها، ولا يستطيع أن يفصل دائما بين ما يشاهده في الملعب وما يؤمن به خارج الملعب. ومع مرور الوقت، بدأت أشعر أن تشجيعي للمنتخب الألماني لم يعد ينسجم مع منظومة القيم والمبادئ التي أؤمن بها.
أنا من الأشخاص الذين يرون أن الرياضة ليست مجرد 90 دقيقة، وأن القميص الذي نحمله لا يمثل اللاعبين وحدهم، بل قد يحمل في أذهان الجماهير صورة عن بلد وثقافة ومواقف وقيم. صحيح أن كرة القدم يجب أن تبقى مساحة للتنافس والمتعة، لكنني أؤمن أيضا بأن الرياضيين والدول والمؤسسات الرياضية لا يعيشون في عالم منفصل عن قضايا الإنسان والعدالة والكرامة.
ولهذا، كانت بعض المواقف الألمانية في السنوات الأخيرة سببا في إعادة النظر في علاقتي التشجيعية بهذا المنتخب. وقد كان من أبرز ما أثّر فيّ موقف ألمانيا من الحرب على غزة، ومنحازا في كثير من الأحيان إلى الرواية الإسرائيلية، وهو موقف رأيت فيه، من وجهة نظري الشخصية، تناقضا مؤلما مع المبادئ الإنسانية التي كنت أتمنى أن تكون أكثر وضوحا في الدفاع عن المدنيين وحقوق الإنسان، خصوصاً أمام حجم المأساة التي يعيشها الشعب الفلسطيني.
كما أنني لم أتفق مع بعض الخيارات والمواقف التي تبنتها المؤسسات الألمانية في ملفات اجتماعية وقيمية، ومنها ما ظهر في كأس العالم في قطر، حيث أصبحت قضية شارات وألوان مرتبطة بحقوق المثليين جزءاً من المشهد السياسي والرياضي للمونديال. وأنا أحترم حق الآخرين في خياراتهم، لكنني في الوقت نفسه أتمسك بحقي في أن أقول إن لدي مبادئ دينية وأخلاقية وثقافية لا أتخلى عنها، وأنني لا أستطيع أن أكون مؤيدا لما يتعارض معها.
وهنا أريد أن أكون واضحاً: أنا لا أحمّل الشعب الألماني كله مسؤولية مواقف حكومته، ولا أختزل ألمانيا في حكومتها أو في موقف سياسي واحد. ففي ألمانيا أصوات كثيرة، ومواطنون كثر يعارضون سياسات حكومتهم، كما أن هناك من وقف ضد الحرب وطالب بحماية المدنيين. لكنني أتحدث هنا عن موقفي الشخصي كمشجع، وعن الأسباب التي جعلتني أشعر بأنني لم أعد أجد نفسي في المدرجات الألمانية كما كنت في السابق.
ثم جاءت إسبانيا وجدت نفسي، شيئا فشيئا، أقترب من المنتخب الإسباني. لم يكن الأمر بسبب كرة القدم وحدها، رغم أنني أعشق كرة القدم الإسبانية، وأحب فلسفتها، وجمال تمريرها، وذكاء لاعبيها، وقدرتها على تحويل الاستحواذ إلى فن، والعمل الجماعي إلى هوية.
كان هناك شيء آخر. كان هناك موقف. كان هناك إحساس بأن وراء القميص الأحمر قصة إنسانية تتجاوز المستطيل الأخضر. لقد كان موقف الحكومة الإسبانية من القضية الفلسطينية، بالنسبة لي، عاملا مهما في هذا التحول. ففي مايو 2024 أعلنت إسبانيا رسمياً اعترافها بدولة فلسطين، وقدم رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز هذا القرار باعتباره خطوة نحو السلام، مؤكدا حق الشعب الفلسطيني في إقامة دولته والعيش بكرامة وأمان.
وبالنسبة لي، كان هذا الموقف تعبيرا عن رؤية سياسية وإنسانية أقدّرها، خصوصا في ظل المأساة التي عاشها ويعيشها الشعب الفلسطيني في غزة.
لقد شعرت أن إسبانيا لم تتحدث فقط بلغة المصالح، بل حاولت أن تتحدث بلغة الإنسان. وحين رأيت مواقف رئيس الوزراء الإسباني ووزراء في حكومته، وخاصة وزير الخارجية، وهم يدافعون عن حق الفلسطينيين في الحياة والكرامة والدولة، شعرت أن هناك شيئاً يلامس قناعاتي. وقد عبّر وزير الخارجية الإسباني، عند إعلان الاعتراف بدولة فلسطين، عن رفض اللامبالاة أمام معاناة الإنسان، وربط الموقف بمبادئ السلام والتضامن والالتزام بالإنسانية.

لكن الموقف الإسباني لم يكن حكوميا فقط. كان الشارع الإسباني حاضراً. وكانت الجماهير الإسبانية، في مناسبات عديدة، صوتا واضحا في التضامن مع فلسطين. وفي ملاعب كرة القدم الإسبانية، من برشلونة إلى سوسيداد وسيلتا فيغو وغيرها، ظهرت أعلام فلسطين ورسائل التضامن، في مشاهد جعلتني أشعر أن كرة القدم يمكن أن تكون أحيانا أكثر من لعبة، وأن المدرجات يمكن أن تتحول إلى مساحة للتعبير عن الضمير الإنساني.
وكان المشهد الذي لا يمكن أن ينساه كثيرون هو مشهد النجم الإسباني الشاب لامين يامال، لاعب برشلونة، وهو يرفع العلم الفلسطيني خلال احتفالات فريقه بلقب الدوري الإسباني عام 2026. لم يكن المشهد بالنسبة لي مجرد صورة عابرة ، لقد كان رمزا صغيرا، لكنه عميق الدلالة، خصوصا أن هذا اللاعب يمثل جيلاً جديدا من نجوم كرة القدم الذين يعيشون في عالم متعدد الثقافات والهويات. وقد حظيت هذه الخطوة باهتمام واسع، كما دافع رئيس الوزراء بيدرو سانشيز عن يامال بعد الانتقادات التي تعرض لها بسبب رفع العلم الفلسطيني. وهنا اكتملت الصورة بالنسبة لي.
لم تعد إسبانيا بالنسبة لي مجرد منتخب أتابعه في كأس العالم أو بطولة أوروبا.
أصبحت إسبانيا بالنسبة لي مدرسة كروية وإنسانية أحب أن أتابعها. أحببت منتخبها في كرة القدم، لكنني وجدت نفسي أشجع رياضييها في مختلف الألعاب، وأتابع فرقها وأنديتها، وأشعر بالفخر عندما يحقق رياضي إسباني إنجازاً عالمياً. أصبحت أشجع إسبانيا في كرة القدم وفي الرياضات الأخرى، لأنني وجدت في مواقفها السياسية والإنسانية ما ينسجم بدرجة أكبر مع قناعاتي. وهذا لا يعني أنني أكره ألمانيا، ولا أنني أنكر تاريخها الرياضي العظيم. على العكس تماماً، سأظل أحترم الكرة الألمانية، وسأظل أقدر إنجازاتها ومدارسها التدريبية ولاعبيها ومدربيها. لكن التشجيع شيء آخر.
التشجيع حالة وجدانية.
والإنسان يشجع من يشعر أنه قريب منه، من يشبه قيمه، من يجد في مواقفه ما يلامس قلبه وعقله. لذلك، أقولها بكل صراحة: لقد غادرت المدرجات الألمانية، ليس كراهية لألمانيا، وإنما بحثا عن مساحة أشعر فيها أنني أكثر انسجاماً مع نفسي. وانتقلت إلى المدرجات الإسبانية. هناك، وجدت كرة القدم التي أحبها، والجمال الذي أبحث عنه، والمهارة التي أستمتع بها، والأهم من ذلك، وجدت مواقف إنسانية وسياسية جعلتني أشعر أن تشجيعي لا يتناقض مع مبادئي. واليوم، وأنا أرى المنتخب الإسباني يتوج بطلا للعالم، أقول من القلب:
ألف مبروك لإسبانيا، حكومة وشعبا، ولاعبي المنتخب وجهازه الفني، وكل الجماهير الإسبانية التي صنعت من كرة القدم لوحة من الجمال.
ألف مبروك للمنتخب الإسباني على كأس العالم. وأقول للاعبي “الفورخا روخا”: لقد كسبتم الكأس في الملعب، لكنكم كسبتم أيضا قلوب الكثيرين خارج الملعب.
أما أنا، فقد اتخذت قراري.
من اليوم، سأكون مشجعا إسبانياً.سأشجع إسبانيا في كرة القدم، وسأشجع رياضييها في كل الألعاب. سأصفق للمنتخب الإسباني عندما ينتصر، وسأحزن عندما يخسر، وسأبقى مؤمنا بأن الرياضة يمكن أن تكون جسرا بين الشعوب، وأن القيم لا ينبغي أن تكون ضحية للمصالح. ففي النهاية، نحن لا نشجع الألوان فقط. نحن نشجع ما تمثله هذه الألوان في وجداننا.
وقد وجدت أن اللون الأحمر الإسباني، بالنسبة لي، لم يعد مجرد لون قميص.
لقد أصبح لوناً للفرح، وللجمال، وللكرة التي أعشقها، وللموقف الإنساني الذي أقدّره.
ومن ألمانيا إلى إسبانيا، لم تكن رحلتي مجرد تغيير في المنتخب الذي أشجعه.
كانت رحلة في البحث عن القيم. وكانت كرة القدم، كما هي دائما، قادرة على أن تخبرنا بأن أجمل الانتصارات ليست دائماً تلك التي تُرفع فيها الكؤوس فقط، بل تلك التي ينتصر فيها الإنسان للإنسان. فمبروك لإسبانيا كأس العالم. ومبروك لي أنا أيضا، فقد وجدت أخيرا المنتخب الذي أشعر أنني أشجعه بقلب مطمئن.
*  كلية علوم الرياضه -الاردنيه.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى