آل السعيد حين يصبح العطاء الرياضي إرثاً عائليا

أ. د. زياد محمد ارميلي
ستادكم سبورت ـ ليست الرياضة ذاكرة ملاعب وبطولات وكؤوس فحسب، وليست صفحات تُطوى بانتهاء المباريات أو اعتزال اللاعبين، وإنما هي في جوهرها ذاكرة بشر ،رجال ونساء أعطوا، وأخلصوا، وتركوا في مسيرتها ما يجعل أسماءهم عصية على النسيان. وفي سجل الرياضة الأردنية أسماء كثيرة تستحق أن تُذكر، وعائلات ارتبط حضورها بهذه المسيرة حتى أصبح عطاؤها جزءاً من ذاكرتها. ومن بين هذه العائلات تبرز عائلة السعيد، التي تبدو حكايتها مع الرياضة الأردنية أشبه بسلسلة متصلة من العطاء، تنقلت فيها الموهبة والمسؤولية من الكلمة إلى الملعب، ومن الملعب إلى التدريب، ومنه إلى الإدارة.
فحين يُذكر الإعلام الرياضي الأردني، يحضر اسم المرحوم نظمي السعيد، أحد الأسماء التي يصعب تجاوزها عند الحديث عن البدايات والتأسيس والارتقاء بمهنة الإعلام الرياضي. كان في جريدة «الرأي» إعلامياً متميزاً، وتولى رئاسة الدائرة الإعلامية فيها، ولم يكن مجرد صحفي يتابع الأحداث الرياضية وينقل أخبارها، بل كان صاحب رؤية ورسالة، آمن بأن الإعلام الرياضي شريك أساسي في صناعة الرياضة، وأن الكلمة المسؤولة تستطيع أن ترفع من مستوى الوعي الرياضي، وأن تصنع جسراً بين الجمهور واللاعب والنادي والمنتخب والمؤسسة الرياضية. ولذلك لم يكن غريباً أن يُنظر إليه بوصفه أحد الآباء الروحيين للإعلام الرياضي الأردني، وأن تبقى تجربته حاضرة في ذاكرة أجيال من الإعلاميين والرياضيين.
لكن قصة آل السعيد مع الرياضة لم تتوقف عند الكلمة والقلم ، ففي الجهة الأخرى من الميدان كان شقيقه المرحوم مظهر السعيد يكتب فصولًا أخرى من هذه الحكاية، ولكن هذه المرة بالعرق والجهد والإنجاز. بدأ لاعباً في النادي الأهلي، ذلك الصرح الرياضي العريق الذي ارتبط اسمه بتاريخ الرياضة الأردنية، قبل أن ينتقل إلى عالم التدريب ويصبح واحداً من أبرز المدربين الوطنيين الذين عرفتهم كرة القدم الأردنية. قاد الأهلي، ودرب الفيصلي، وحقق خلال مسيرته عدداً كبيرا من البطولات والألقاب، تجاوز رصيده الثلاثين لقباً، ليصبح واحداً من أكثر المدربين الوطنيين تحقيقاً للإنجازات على الساحة المحلية. ولم تكن قيمة مظهر السعيد في عدد البطولات وحده، وإنما في أنه كان نموذجاً للمدرب الوطني الذي امتلك المعرفة والخبرة والقدرة على صناعة الفرق وتحقيق الإنجاز.
وكأن الرياضة في هذه الأسرة لم تكن تخصصاً واحداً، فقد انتقلت الحكاية إلى كرة السلة مع الكابتن عماد السعيد، الذي ترك بصمته لاعبا مميزا في كرة السلة الأردنية، وكان أحد أعمدة المنتخب الوطني. وهنا تتجلى خصوصية هذه الأسرة؛ فالعطاء لم يكن محصورا في لعبة واحدة، ولا في موقع واحد، بل امتد إلى أكثر من رياضة، وكأن كل فرد اختار طريقه الخاص ليضيف لبنة جديدة في بناء الرياضة الأردنية.
أما اليوم، فتواصل السيدة رنا السعيد، ابنة المرحوم نظمي السعيد، حضور هذه العائلة في المشهد الرياضي الأردني من موقع المسؤولية الإدارية، بوصفها أمين عام اللجنة الأولمبية الأردنية. وهي مسؤولية كبيرة في مؤسسة تمثل الواجهة الأهم للحركة الأولمبية والرياضية الأردنية، وقد واصلت من خلالها حضورها وعطاءها في العمل الرياضي والإداري، لتثبت أن إرث العائلة لم يكن إرثاً من الأسماء، بل إرثاً من الانتماء والعمل والعطاء.
وهنا تكمن المفارقة الجميلة في قصة آل السعيد: الأب أو الشقيق في الإعلام، والآخر في التدريب، والابن في كرة السلة، والابنة في الإدارة الرياضية. أربعة مسارات مختلفة، لكن يجمعها خيط واحد هو الرياضة الأردنية. وكأن كل واحد منهم حمل جانبًا من الرسالة، ليكتمل المشهد في النهاية بصورة أسرة لم تكتفِ بأن تكون حاضرة في الرياضة، بل تركت في أكثر من مجال أثرًا يستحق التقدير.
وليس من الإنصاف أن نختزل هذه التجربة في عدد البطولات أو المناصب أو الأسماء؛ فالقيمة الأعمق أن هناك عائلة آمنت بالرياضة، وقدمت لها من أبنائها من حمل الكلمة، ومن حمل القميص، ومن جلس على مقاعد التدريب، ومن تولى مسؤولية الإدارة. وهذا التنوع في العطاء هو ما يجعل تجربة آل السعيد جديرة بالتوقف عندها، لا من باب المجاملة، وإنما باعتبارها جزءاً من تاريخ الحركة الرياضية الأردنية.
لقد اعتدنا أن نتذكر الرياضيين عندما يفوزون، والمدربين عندما يرفعون الكؤوس، والإداريين عندما يتولون المناصب، والإعلاميين عندما تتصدر كتاباتهم المشهد. لكن الذاكرة الرياضية الحقيقية أكثر اتساعاً من ذلك؛ فهي تحفظ من أسهم في بناء الطريق قبل أن يصل الآخرون إلى نهايته. ومن هذه الزاوية، فإن استحضار أسماء آل السعيد هو استحضار لمرحلة من مراحل تطور الرياضة الأردنية، ولأشخاص جعلوا من مواقعهم المختلفة أدوات لخدمتها والارتقاء بها.
رحم الله نظمي السعيد ومظهر السعيد، فقد تركا وراءهما سيرة تستحق أن تُروى، وحضوراً تجاوز حدود العمر والمهنة، واستمر أثره في الرياضة الأردنية. والتحية للكابتن عماد السعيد، الذي حمل اسم العائلة إلى ميادين كرة السلة والمنتخب الوطني، وللسيدة رنا السعيد التي تواصل اليوم حضور الأسرة في موقع إداري رياضي رفيع.
إنها ليست قصة عائلة عابرة في المشهد الرياضي الأردني، وإنما قصة عائلة تعددت أدوار أبنائها، واختلفت ملاعبهم ومواقعهم، لكنهم التقوا جميعاً عند حب الرياضة وخدمتها. ولهذا فإن الحديث عن آل السعيد هو، في جانب منه، حديث عن الرياضة الأردنية نفسها؛ عن إعلامها ولاعبيها ومدربيها وإدارييها، وعن أجيال صنعت بالأمس ما نراه اليوم، ومهدت الطريق لأجيال ستواصل المسيرة غدا.
وفي زمنٍ تزدحم فيه الذاكرة بالأحداث السريعة والأسماء العابرة، تبقى قيمة الذين أعطوا للرياضة دون أن يكون همّهم أن تبقى أسماؤهم في الواجهة. هؤلاء هم الذين تصنع منهم الأيام تاريخاً، وتصنع من عطائهم إرثًا. وآل السعيد، بما قدمه أبناؤها للرياضة الأردنية في الإعلام واللعب والتدريب والإدارة، يمثلون نموذجاً جميلًا لهذا الإرث؛ إرثٍ لا يُقاس بما كُتب على الكؤوس، وإنما بما كُتب في ذاكرة الرياضة الأردنية من أثر وبصمة وعطاء.
استاذ جامعي-كلية الرياضة -الجامعة الأردنية





