آسياد 2026.. ذهبٌ فوق الماء، وأحلامٌ أكبر من أعمار أصحابها..حكايات من آيتشي–ناغويا: مراهقون يغيّرون الأرقام، وأبطال يقاومون الغياب، و101 ميدالية عربية

متابعة ورصد عبد الحميد حسن العداسي

ستادكم سبورت – في آيتشي–ناغويا، يمكن قراءة الألعاب الآسيوية من جدول الميداليات، ويمكن أيضاً قراءتها من سرير لا يتّسع للاعب طويل القامة، أو سفينة تحوّلت إلى بيت للمتنافسين، أو ميدالية تهديها لاعبة إلى مدرّب رحل قبل أن يراها تصعد المنصة. وبين هذه التفاصيل، صنعت الدورة العشرون ذاكرتها: أرقام تتهاوى، وأعمار صغيرة تتقدّم الصفوف، ومخضرمون يرفضون تسليم أحلامهم إلى الزمن.

حسمت الصين الصدارة بـ169 ذهبية و341 ميدالية، تلتها اليابان بـ83 ذهبية، ثم كوريا الجنوبية بـ39. وجمعت الدول العربية 101 ميدالية، بينها 34 ذهبية، وفق جمع أرصدتها في جدول النتائج الرسمي. لكن الأرقام، مهما ارتفعت، لا تروي وحدها كيف جرى الوصول إليها، ولا لماذا تصبح برونزية أحياناً أثقل في الذاكرة من الذهب.

في المسبح، اختصر الياباني شين أوهاشي المسافة بين المراهقة والتاريخ. في السابعة عشرة، قطع 200 متر صدراً بزمن 2:04.83 دقيقة، ليصبح أول رجل يكسر حاجز دقيقتين وخمس ثوانٍ. ومن الصين، جمع تشانغ تشانشو سبع ذهبيات، وهو إنجاز غير مسبوق لسبّاح في دورة آسيوية واحدة. صار المسبح مكاناً لإعادة كتابة الحدود التي اعتاد الكبار اعتبارها بعيدة.

وكانت الصينية يو زيدي، ذات الأعوام الثلاثة عشر، وجهاً آخر لهذه الجرأة: ثلاث ذهبيات في عمر ما زال معظم أقرانها يتعرّفون فيه إلى الطريق. واختيرت أفضل رياضية في الدورة، إلى جانب العدّاء التايلاندي بوريبول بونسون لدى الرجال؛ اسمان يختصران حضور جيل جاء لينافس فوراً، لا لينتظر دوره.

بونسون منح السرعة الآسيوية عنواناً تايلاندياً لافتاً: 9.90 ثانية في سباق 100 متر، ثم 19.88 ثانية في 200 متر، معادلاً الرقم الآسيوي. وفي المضمار نفسه، حافظت البحرينية وينفريد يافي على حضورها القوي، مسجّلة 9:04.36 دقائق في 3000 متر موانع، وهو رقم قياسي للألعاب. هكذا جاورت الانطلاقة القصيرة معركة التحمّل، والتقت حكايات بلدان مختلفة عند خط النهاية.

وخارج الملاعب، كانت هناك قرية لا تشبه القرى. السفينة «كوستا سيرينا»، الراسية في ميناء ناغويا، استُخدمت لإقامة الرياضيين والمسؤولين، بطاقة استيعابية تصل إلى أربعة آلاف شخص.

وفي تقرير للمجلس الأولمبي الآسيوي، ظهرت حياة الممرات والطاولات المشتركة: منافسون يتناولون الطعام معاً، ويشاركون في أنشطة بعيداً عن ضغط النتائج. للخصم هنا وجه آخر؛ قد يكون جارك في الممر، أو رفيق مائدة قبل لقاء المساء.

لكن الإقامة أنتجت غرائبها أيضاً. اشتكى رياضيون من قِصر الأسرّة وضيق بعض الوحدات، واقترح المنظمون مساند مبطّنة لتمديد الأسرّة. وانتقل منتخب كوريا الجنوبية لكرة السلة للرجال إلى فندق؛ تفصيل طريف في ظاهره، وجادّ حين يتعلق براحة الرياضيين.

وفي كرة الطاولة، حملت الهندية ديا تشيتالي إلى المنافسة حزناً يصعب اختزاله بنتيجة. قبل نحو أسبوع من إحراز برونزية الزوجي المختلط مع مانوش شاه، فقدت مدرّبها بيتر إنغل، الذي رافق مسيرتها منذ 2015. أهدته الميدالية، فصار وراء البرونزية اسم غائب وعلاقة امتدت سنوات. هناك انتصارات لا تمحو الخسارة الشخصية، لكنها تمنح صاحبها طريقة لمواصلة الطريق، ولحفظ أثر الذين ساعدوه على بلوغ المنصة.

أما الكوري الجنوبي توم كيم، فكانت ذهبية الغولف مرتبطة بمستقبله أيضاً. أنهى جولته الأخيرة بـ64 ضربة، وفاز بفارق ثلاث ضربات، ليحصل مع اللقب الآسيوي على الإعفاء المقرر للأبطال من الخدمة العسكرية الإلزامية.

عربياً، بلغت الإثارة ذروتها في نهائي كرة اليد. البحرين، التي خسرت أمام قطر نهائيَي النسختين السابقتين، كانت تتقدم 32–31 حين سجّل أحمد فضول قبل النهاية بثلاث ثوانٍ. أضافت قطر هدفاً أخيراً، لكن الفوز استقر بحرينياً 33–32. انتهى انتظار الذهب الآسيوي الأول، وانتهت معه سلسلة قطر المؤلفة من ثلاثة ألقاب متتالية. ثلاث ثوانٍ فقط فصلت بين قلق النهاية واليقين بأن هذه المرة مختلفة.

ولقطر حكاية عائلية في البادل. الشقيقان راشد ومشاري نواف أحرزا أول ذهبية للعبة في تاريخ الألعاب الآسيوية، بفوزهما على الثنائي الماليزي 6–3 و6–1، ومن دون خسارة مجموعة طوال المشوار. في هذه البداية، اجتمعت شراكة الملعب مع رابطة الأخوّة؛ تدريب طويل ينتهي بوقوف شقيقين على المنصة نفسها، وباسمين قطريين في أول صفحة من سجل اللعبة الآسيوي.

وفي الرماية، أعاد ناصر العطية وصل الحاضر بماضٍ بعيد. بعمر 55 عاماً، شارك في ذهبية قطر لفرق السكيت مع راشد العذبة وعلي آل إسحاق، بعد تتويجين سابقين في بوسان 2002 وغوانغجو 2010. وبين الذهبية الأولى والأحدث أربعة وعشرون عاماً؛ مسافة كافية ليولد خلالها جيل كامل من المنافسين ويصل إلى الألعاب. وفي مقابل وجوه المراهقين، بقي للمخضرمين مكانهم وقدرتهم على المفاجأة.

الإمارات كتبت جانباً بارزاً من حصيلتها على بساط الجوجيتسو، بخمس ذهبيات ضمن ثماني ميداليات في اللعبة. وكانت منافسات السيدات لوزن 48 كيلوغراماً صورة مكثفة لقوة الفريق: ذهبية لبلقيس الهاشمي وفضية للعنود الحربي. حين يجتمع علم واحد فوق درجتين من المنصة، يصبح الإنجاز دليلاً على اتساع المنافسة داخل الفريق نفسه، وعلى وجود أكثر من اسم قادر على حمل الطموح.

وفي التايكواندو، منحت فادية خرفان الأردن ذهبية وزن 57 كيلوغراماً، بعد الفوز على الصينية تشانغ تشوولينغ بجولتين مقابل واحدة. وأنهى الأردن مشاركته بـ11 ميدالية، بينها ذهبيتان. وراء هذه الحصيلة، تبرز قيمة اللحظة التي يحوّل فيها لاعب أو لاعبة سنوات التدريب إلى فرصة لا تتكرر كثيراً، ثم ينجح في اقتناصها.

وتصدّرت البحرين العرب بـ22 ميدالية و11 ذهبية، أمام الإمارات في الترتيب المعتمد على الذهب، ثم قطر. وامتدت قائمة الدول العربية المتوّجة إلى السعودية والكويت والأردن والعراق ولبنان وعُمان وسوريا، لتتوزّع الحصيلة على عشر دول.

وقال المجلس الأولمبي الآسيوي إن الدورة شهدت 54 رقماً عالمياً، إلى جانب 11 رقماً عالمياً للناشئين و89 رقماً قارياً، مع إقراره بمشكلات لوجستية. وبين جودة المنافسة وملاحظات التنظيم، تبقى الصورة متعددة الوجوه.
ستبقى للصين صدارة الجدول، وللمراهق الياباني حاجزه المكسور، وللبحرينيين ثوانيهم الثلاث، وللشقيقين القطريين ذهبية يتقاسمان حكايتها.

أما الذاكرة، فستحتفظ أيضاً بالسفينة، وبالمدرّب الغائب، وبالأسرّة التي احتاجت إلى تمديد. تلك التفاصيل تمنح البطولة ملامحها الإنسانية، وتجعل استعادتها بعد سنوات أكثر حياة من قراءة صفوف الأرقام.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى