حكايات من أسياد آيتشي–ناغويا (2)..من الأزرق ورام الله إلى ناغويا، حكايات رياضيين كانت معركتهم الأولى أن يصلوا إلى المنافسة.

قبل الميدالية.. انتصارات بدأت في مخيم وبيت صغير وصالة تدريب

 عبد الحميد حسن العداسي

ستادكم سبورت ـ حين تنتهي المنافسة، تمنح لوحة النتائج كل رياضي مكاناً واضحاً: بطل، وصيف، متأهل أو مغادر. لكن بعض المسافات التي قطعها المشاركون في ألعاب آيتشي–ناغويا الآسيوية لا تظهر على تلك اللوحة. هناك طريق بدأ في مخيم للاجئين،

وآخر تعطّل عند حاجز، وثالث مرّ بالمرض والغياب، ورابع فتحته أمّ اشترت لابنها طاولة تدريب. وفي هذه الحكايات، يكتسب الوصول إلى اليابان معنى يسبق النزال، ويستمر بعد إعلان النتيجة.

من مخيم الأزرق في الأردن، جاء السوريان تالا الحسن الهُنيدي ومحمود الجاسم المحمد الحسين إلى التايكواندو الآسيوي. كانت مشاركتهما ضمن فريق اللاجئين مناسبة لظهور مسار رياضي نبت في بيئة يصعب فيها التخطيط للمستقبل.

وقد عرضت المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين رحلتهما بوصفها انتقالاً من تدريبات المخيم إلى منافسة قارية، يحملان خلالها تجربة كثيرين حُرمت حياتهم من الاستقرار.

في الثامنة عشرة، وصلت تالا إلى اليابان ومعها حكاية فتاة دخلت التدريب مترددة، تشك في قدرتها على الاستمرار. ووفق شهادتها التي نشرها المجلس الأولمبي الآسيوي، ساعدتها التايكواندو على استعادة الثقة والتعبير عن نفسها.

أما محمود، البالغ 24 عاماً، فاستعاد بداية الطريق بعد وصوله إلى الأردن عام 2016، حين التحق ببرنامج للعبة في المخيم. تحوّل التدريب، مع الوقت، إلى التزام يومي ومشروع حياة يمكن العمل من أجله.

وكان لظهورهما إطار مختلف أيضاً: فريق للاجئين يحمل هوية مستقلة في المنافسات، ويستخدم علم المجلس الأولمبي الآسيوي. وبحسب الترتيبات الرسمية، كان نشيد المجلس سيُعزف لو أحرز أحدهما الذهب. هكذا منحت البطولة مكاناً

لمن لا تختصر ظروفهم خانة الدولة المعتادة، وجعلت حضورهم جزءاً من صورتها الرسمية، لا مجرد قصة تُروى على هامشها.

انتهت مشاركة الاثنين في دور الستة عشر. خسر محمود أمام الكوري كانغ جيغوون في وزن تحت 80 كيلوغراماً، وتالا أمام الصينية ما جينغيويه في وزن تحت 49 كيلوغراماً. لكن حديثهما بعد الخسارة اتجه إلى ما يليها: محمود وصف الفريق بأنه عائلته،

وتالا تمسكت بطموح الفوز بميدالية يوماً ما. لم يغيّرا النتيجة، لكنهما تركا الباب مفتوحاً لجولة أخرى، ولعودة إلى التدريب لها هدف محدد.

وعلى بساط الكاراتيه، حمل الفلسطيني محمود ضيف الله قصة بدأت بزيارة طفولية إلى نادٍ قرب منزله في رام الله. اصطحبته والدته مع شقيقه لشغل وقت العطلة، فتحوّلت الزيارة إلى مسيرة قادته إلى المركز الخامس في ناغويا. وفي حديثه إلى «إنديان إكسبرس»، شرح صعوبة السفر عبر الحواجز والعبور إلى الأردن للوصول إلى الطائرة. بالنسبة إليه، تبدأ حسابات المشاركة قبل القرعة بوقت طويل؛ إذ قد تصبح إمكانية المغادرة نفسها موضع شك، مهما اكتمل الاستعداد.

تمنح هذه الرحلات كلمة «التأهل» اتساعاً إضافياً. فالاستعداد يتطلب أكثر من اللياقة والخطة الفنية: مكاناً يتكرر فيه التدريب، ومواعيد يمكن الاعتماد عليها، وقدرة على السفر، وشخصاً يؤمن بأن الجهد يستحق الاستمرار.

وهذه شروط تبدو بديهية من مقاعد المتفرجين، لكنها تصبح أحياناً الجزء الأصعب في حياة الرياضي، قبل أن يبدأ الجزء الذي يراه الجمهور على الشاشة.

وفي المصارعة، كان الهندي أمان سيهراوات يستعيد علاقته بالمنافسة بعد فترة من المتاعب الصحية والغياب وتراجع الحافز. ثم جاء نهائي وزن 57 كيلوغراماً أمام بطل العالم الكوري الشمالي هان تشونغ سونغ، وحسمه 11–7.

وقد ظهر بعد الفوز حاملاً ميداليته، وإلى جانبها صورة ذهبية كان يحتفظ بها على شاشة هاتفه. التقت الصورة التي رافقت انتظاره بالشيء الحقيقي؛ لحظة صغيرة تصلح لاختصار عودة طويلة

أما الملاكمة الهندية بارفين هودا، فجاءت ذهبيتها بعد إيقاف استمر 22 شهراً بسبب مخالفات متعلقة بتحديد أماكن الوجود للفحوص، وفقدان فرصة أولمبياد باريس، بالتزامن مع مرض والدها بالسرطان. وفي ناغويا، فازت بنهائي وزن 65 كيلوغراماً على

تشن نين تشين من تايبيه الصينية بقرار منقسم 3–2. وروت عائلتها لصحيفة هندية كيف تداخل علاج الأب مع محاولة الابنة إعادة بناء مسيرتها. حملت الذهبية نهاية مرحلة قاسية وبداية مسؤولية جديدة للحفاظ على العودة.

وحصلت روشيبينا ديفي على فرصتها بطريقة لم تكن في الحسبان. فقد خسرت مكانها في منتخب الهند للووشو خلال التصفيات، ثم استُدعيت قبل سفر الفريق بثلاثة أيام بعد إصابة لاعبة أخرى. أحرزت فضية الساندا لوزن 60 كيلوغراماً،

لتصبح أول هندية أو هندي في اللعبة يجمع ميداليات في ثلاث دورات آسيوية متتالية. بين خيبة الاستبعاد ومنصة اليابان، لم يكن هناك وقت طويل لإعادة ترتيب المشاعر؛ كان عليها أن تستجيب للفرصة وهي تصل.

وفي كوريا الجنوبية، بدأت حكاية لي جون سوك بطاولة اشترتها والدته. كان قد ابتعد عن كرة القدم، ثم وجد في التيكبول فرصة جديدة، لكنه احتاج إلى وسيلة يتدرب عليها وإلى دعم مادي لم يكن متاحاً بسهولة. ساعدته أمه،

ثم ترك عمله وانتقل إلى المجر لتطوير مستواه. وعندما تحدث عن الرحلة، ربطها بقدرة عائلته على منحه الحب والدعم رغم ضيق الإمكانات؛ تفصيل مألوف في بيوت كثيرة، لكنه لا يصل دائماً إلى نشرات الرياضة.

اكتملت الحكاية بذهبية الفردي، بعد فوزه على العراقي علي جليل مظهر العليّاوي بشوطين دون رد، 12–11 و12–5، ومن دون خسارة شوط طوال البطولة. احتفظ العراقي بالفضية، فيما صار الكوري أول بطل آسيوي لفردي الرجال في اللعبة.

وبذلك أصبح للقرار العائلي القديم أثر يمكن رؤيته على منصة التتويج: طاولة للتدريب فتحت طريقاً لم يكن واضحاً حين بدأت الرحلة.

تختلف نهايات هذه القصص: ذهب، فضة، مركز خامس أو خروج مبكر. وتختلف أسباب صعوبتها أيضاً، فلا تتساوى تجربة اللجوء مع المرض أو الاستبعاد الفني. لكن جمعها في ذاكرة دورة واحدة يكشف ما تحجبه سرعة التغطية اليومية وراء الرياضي الذي يظهر لبضع دقائق سنوات من القرارات والمساعدة والتردد والمحاولة.

وعندما يعود هؤلاء إلى بيوتهم وصالاتهم، سترافق بعضهم ميدالية، ويرجع آخرون بخبرة وخطة جديدة. أما ما تركوه في ناغويا، فهو دليل على أن القصة الرياضية تستحق أن تُروى منذ بدايتها؛ منذ اللحظة التي امتلك فيها شخص سبباً للمحاولة ووجد من يساعده على أن يبدأ.

 

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى