يا “فيفا”.. العالم كله رآها! مصر انتصرت أخلاقياً.. وكرة القدم خسرت عدالتها

أ.د. عبدالله الغصاب

ستادكم سبورت  – يا لجمالك يا مصر.. فوجودك في أي محفل، سياسياً كان أو اجتماعياً أو رياضياً، يمنحه ثقلاً خاصاً وحضوراً يحظى بالاحترام، فمنذ آلاف السنين، ومصر تعتبر إحدى ركائز الحضارة الإنسانية، وموطن التاريخ والثقافة والعلم، وبلد احتضنت مختلف الأديان والثقافات، وظلت رمزاً للاعتدال والقوة الناعمة، وها هي اليوم، بمنتخب كاد يكون بأكمله من أبناء الدوري المحلي، تقف نداً لند أمام حامل اللقب بطولة كأس العالم وأغلى تشكيلة في العالم، وتتقدم عليه بهدفين نظيفين، قبل أن تتكفل صافرة لا تعرف الحياد بسرقة الحلم، حقيقة سجلتها كاميرات العالم أن مصر كانت الأجدر بالفوز، ومن وضعت بطل العالم في أضيق مآزقه طوال البطولة.
فماذا حدث في تلك الليلة السوداء؟ حكم فرنسي يلغي هدفاً مصرياً بمراجعة مثيرة للريبة، ويتجاهل عرقلة فاضحة على محمد صلاح داخل منطقة الجزاء، ويغض الطرف عن لعبة أثارت شكوكاً حول ليونيل ميسي نفسه! أساطير الكرة العالمية لم يحتملوا الصمت ومنهم: بول سكولز، أسطورة مانشستر يونايتد، وصف ما جرى بأنه أكبر سرقة كروية شهدها في مسيرته، ومصر لم تحظَ بقرار واحد لصالحها طوال المباراة. وآلان شيرر، أسطورة الكرة الإنكليزية، اعتبر ما حدث “هراءً” صريحاً وازدواجية فاضحة في تطبيق القانون على لقطتين متطابقتين. وحسام حسن، الرجل الذي واجه بلاعبي الدوري المحلي نجوم المليارات، اتهم فيفا صراحة بمجاملة الأرجنتين حفاظاً على ميسي لأسباب تجارية، وكشف توأمه إبراهيم حسن أن الحكم نفسه هدده في لحظة احتجاجه المشروع! فهل تحولت صافرة الحكم إلى أداة ترهيب بدل أن تكون أداة عدل؟
ومن يشكك في وجود لوبي يتحكم بمصير الفرق وقرارات فيفا، فليتأمل ما جرى بعدها بأيام: لاعب أميركي طُرد ببطاقة حمراء توجب إيقافه تلقائياً، فتبخرت العقوبة بقرار غير مسبوق منذ ستين عاماً، عقب اتصال هاتفي من الرئيس الأميركي شخصياً برئيس فيفا! الاتحاد البلجيكي وصف القرار بأنه مخالف للوائح، ورئيس فيفا الأسبق حذّر من سابقة خطيرة، فكيف يطلب من الجماهير العربية أن تصدق أن هدف مصر أُلغي بمعايير فنية بحتة؟ هذه الازدواجية أفقدت البطولة مصداقيتها وشعبيتها أمام ملايين المتابعين.
ولم يكن الجدل تحكيمياً فقط. فحين رفع حسام حسن صوته دفاعاً عن فلسطين، لم يكن استفزازاً، بل ترجمة لنبض كل عربي رفض الصمت أمام آلة حرب دمّرت غزة وأزهقت أرواح الأبرياء. صوته رسالة إلى ضمير العالم الحر: فلسطين جرح لن تُسكته صافرة ولا لوائح، وتتكرر الازدواجية في وقائع أخرى ومنها: منع لاعب غاني، إبعاد حكم صومالي، وتدخلات أمنية طالت منتخبات عربية وإفريقية.
فيفا يتشدق بحقوق الإنسان ومكافحة التمييز، فأين هذه الشعارات حين يسرق حق منتخب عربي أمام العالم؟ وأين هي حين تلغى عقوبة بمكالمة رئاسية؟ لقد سقط الرصيد الأخلاقي للفيفا، ولا يحق له مطالبة العالم باحترام قوانين لا يطبقها على الجميع بالتساوي.
ورغم كل شيء، مصر خرجت أكبر من النتيجة، وأثبتت أن الهوية والكبرياء تصنعان صورة تاريخية مشرفة حتى في أظلم الظروف. شكراً لمنتخب مصر، وشكراً لحسام حسن الذي رفع الرأس ولم يحنِ الهامة، كتب هذا الجيل اسم مصر بحروف من ذهب، وأثبت أن أرضنا العربية لم تخلق تابعة لأحد، بل خلقت لتصنع الأبطال في كل ميدان. فمن الخليج إلى النيل ومغرب العروبة، تزخر أمتنا بمواهب لا تحصى، تنتظر فقط الفرصة العادلة لتبهر العالم، والدرس واضح الآن أن العرب قادرون، متى أُنصفت جهودهم، على التقدم والفوز في شتى الميادين، أما فيفا، فليعلم أن قوة الكرة تبنى بالعدالة وحدها، ومتى غابت سقطت شرعية البطولة، وتبقى الأسئلة معلقة، هل يريد العالم كرة نظيفة، أم كرة يديرها النفوذ والهاتف الأحمر؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى