حين يصبح رفع علم فلسطين “إرهاباً”… لامين يامال والضمير الذي أحرج العالم.

أ.د. زياد محمد ارميلي

ستادكم سبورت – في زمن أصبح فيه كثيرون يخشون حتى كلمة فلسطين، خرج لاعب شاب في لحظة احتفال كروي عالمي ليرفع علم شعب يُذبح منذ عقود، فإذا بالعالم المنحاز يقيم عليه محكمة سياسية وأخلاقية فقط لأنه اختار أن يكون إنساناً.
لم يحمل سلاحاً، ولم يطلق خطاب كراهية، ولم يدعُ إلى العنف. كل ما فعله أنه رفع علم فلسطين وسط احتفالات الفوز بالدوري الإسباني، في مشهد اختصر الصراع كله: هناك من يرى في العلم الفلسطيني رمزاً للحرية والكرامة، وهناك من يريد تجريم حتى التعاطف مع الضحايا.
لم تتأخر الصحف الإسرائيلية وبعض الشخصيات المتطرفة في الهجوم عليه. خرج ومن يشبهه ليتهموا اللاعب الشاب بـ”الإرهاب”، وكأن الإرهاب الحقيقي ليس في قصف البيوت فوق رؤوس الأطفال، ولا في حصار المدنيين وتجويعهم، ولا في تحويل غزة إلى مقبرة جماعية مفتوحة على الهواء مباشرة.
أي منطق هذا الذي يجعل من رفع علم “جريمة”، بينما يصبح قتل الأبرياء مجرد حق في الدفاع عن النفس؟
الحقيقة التي يخشاها هؤلاء ليست العلم نفسه، بل الرسالة التي يحملها.
إنهم يخافون من كل صوت يذكّر العالم بأن الفلسطيني إنسان، وأن وراء الأرقام وجوهاً وأطفالاً وأحلاماً وأمهات ينتظرن أبناءً لن يعودوا.

ولأن الضمير لا يمكن مصادرته، لم يكن لامين وحده في هذا الميدان.
المدرب الإسباني سبق أن وقف مراراً مع القضية الفلسطينية، وتحدث بوضوح عن معاناة المدنيين والأطفال، مؤكداً أن الصمت أمام المأساة ليس حياداً بل تواطؤ أخلاقي. غوارديولا، الذي يعرف معنى القمع بحكم دفاعه الطويل عن قضايا الحرية وحق الشعوب في تقرير مصيرها، فهم أن فلسطين لم تعد مجرد قضية سياسية، بل اختبار حقيقي لإنسانية العالم.
ولم يكن وحده أيضاً. الممثل الأمريكي تحدث علناً ضد قتل المدنيين في غزة، وندد باستخدام القوة المفرطة ضد الأبرياء، رغم حملات التخوين والضغط التي تعرض لها.
كما عبّر الكثير من المؤثرين عن تضامنهم مع الشعب الفلسطيني، ودافعوا عن حقه في الحياة والحرية، فتعرضوا للهجوم والمقاطعة ومحاولات الإقصاء فقط لأنهم رفضوا الصمت.

هؤلاء لم يكونوا إرهابيين، بل أصحاب ضمير.
لكن المأساة الحقيقية أن العالم وصل إلى مرحلة يصبح فيها التعاطف مع الضحية مغامرة مهنية وأخلاقية، بينما لا يدفع مروجو الحرب والكراهية أي ثمن.
لقد كشفت ردود الفعل الغاضبة على موقف لامين يامال هشاشة الرواية الإسرائيلية أمام أي موقف إنساني بسيط.
فلو كانت الحقيقة معهم لما خافوا من لاعب كرة قدم يحمل علماً. ولو كانت العدالة إلى جانبهم لما ارتعبوا من صورة، أو هتاف، أو موقف تضامن.
إنهم يعرفون أن مشاهد الأطفال تحت الأنقاض أقوى من دعايتهم، وأن دموع الأمهات في غزة تهزم آلاف المقالات السياسية، ولذلك يحاولون إسكات كل صوت يوقظ ضمير العالم.
لكن ما حدث مع لامين يامال أثبت شيئاً مهماً: أن فلسطين ما زالت حيّة في وجدان الأحرار، وأن الأجيال الجديدة لم تعد تخاف من قول الحقيقة، حتى لو تعرضت للتشويه والتخوين.
في زمن الصمت العربي الرسمي، والتطبيع الذي حاول تحويل المأساة الفلسطينية إلى “تفصيل سياسي”، جاء موقف شاب في مقتبل العمر ليذكّر الجميع بأن الكرامة لا تُشترى، وأن الشهرة لا قيمة لها إن كانت على حساب الإنسانية.
لقد انتصر لامين يامال لإنسانيته قبل نجوميته، ولضميره قبل صورته الإعلامية.
وسيظل الفرق واضحاً بين من رفع علماً دفاعاً عن شعب مظلوم.
ومن رفع السلاح فوق أجساد الأطفال ثم تحدث عن الأخلاق والديمقراطية.
كل الاحترام لكل من اختار أن يكون مع الإنسان، لا مع القاتل.
وكل الخزي لأولئك الذين يريدون للعالم أن يصمت بينما تباد غزة أمام أعين البشرية.

*استاذ جامعي/ كلية علوم الرياضه/ الجامعه الاردنيه.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى