رسالة إلى اتحاد كرة القدم…لماذا يجب أن نتوقف عند البحث عن الحلول السريعة في كرة القدم الأردنية؟

أ.د . زياد محمد ارميلي

ستادكم سبورت  – في كل مرة تتراجع فيها نتائج منتخبنا الوطني أو أحد أنديتنا، تتجه أصابع الاتهام مباشرة نحو المدرب، وكأن تغيير الجهاز الفني هو الوصفة السحرية لاستعادة الانتصارات. لكن إذا أردنا أن نتحدث بواقعية، فعلينا أن نعترف بأن المشكلة ليست في الأشخاص بقدر ما هي في طريقة التفكير التي تحكم صناعة القرار الرياضي.
لقد أصبحنا نريد الوصول إلى قمة كرة القدم العالمية خلال سنوات قليلة، بينما تؤكد كل التجارب الناجحة أن الإنجاز الحقيقي لا يولد بين ليلة وضحاها، بل هو نتاج مشروع طويل الأمد، ورؤية واضحة، وصبر استراتيجي، وعمل مؤسسي متواصل.
الوصول إلى طابق الكبار في كرة القدم يشبه الصعود إلى قمة ناطحة سحاب ، لا يمكن القفز مباشرة إلى الطابق الأخير، بل لا بد من عبور عشرات الطوابق، وكل طابق يمثل مرحلة من مراحل البناء والتطوير والتقييم والتصحيح. ومن يحاول تجاوز هذه المراحل، غالبا ما يسقط قبل أن يصل.
ما يحدث في كثير من الأحيان هو أن أصحاب القرار يقيسون نجاح المشروع الرياضي بنتائج قصيرة المدى، فيتم تغيير المدربين، وتبديل الأجهزة الفنية، وإعادة تشكيل اللجان مع كل إخفاق، فتبدأ رحلة البناء من الصفر مرة أخرى. وهكذا ندور في حلقة مفرغة، بينما الدول المتقدمة تبني مشروعا يستمر لعقود بغض النظر عن النتائج المرحلية.
ولعل التجربة اليابانية تقدم واحدا من أعظم الدروس في تاريخ كرة القدم الحديثة. ففي منتصف ستينيات القرن الماضي استعانت اليابان بالخبير الألماني ديتمار كرامر، الذي لم يأت ليقود المنتخب إلى بطولة خلال عام أو عامين، بل وضع رؤية استراتيجية بعيدة المدى عرفت لاحقا بـ”رؤية المئة عام”. كانت الفكرة بسيطة وعميقة في آن واحد: بناء منظومة متكاملة تبدأ من المدارس، مرورا بالأندية، وتأهيل المدربين، وإنشاء أكاديميات متخصصة، وتطوير الإدارة الرياضية، حتى تصبح كرة القدم جزءًا من الثقافة المجتمعية.
لم تكن اليابان تبحث عن بطولة عاجلة، بل كانت تبني مستقبلًا. وبعد عقود من الالتزام بهذه الرؤية أصبحت اليابان واحدة من القوى الكروية الكبرى في آسيا، وخصما يحسب له الحساب في كأس العالم، وقادرة على منافسة أقوى المنتخبات الأوروبية والأمريكية الجنوبية بثقة واقتدار.
وفي أوروبا نجد نموذجا مختلفا لكنه لا يقل إلهاما، وهو نادي لايبزيغ الألماني. فعلى الرغم من حداثة تجربته مقارنة بعمالقة الكرة الألمانية، فإنه لم يعتمد على شراء النجوم فقط، بل أسس مشروعًا علميا متكاملًا يعتمد على اكتشاف المواهب الصغيرة، والتحليل الرقمي، وعلوم التدريب، والبيوميكانيك، والذكاء الاصطناعي، والطب الرياضي، والتخطيط المرحلي. كانت كل خطوة محسوبة ضمن رؤية واضحة، فكانت النتيجة الوصول خلال سنوات قليلة إلى المنافسة المحلية والأوروبية دون التخلي عن فلسفة البناء.
القاسم المشترك بين اليابان ولايبزيغ ليس المال فقط، بل الإيمان بأن العلم هو المرجعية الأولى في اتخاذ القرار. ففي الرياضة الحديثة لم تعد الخبرة وحدها كافية، ولم يعد الاجتهاد الشخصي يصنع الإنجازات الكبرى، وإنما أصبحت البيانات، والبحث العلمي، والتحليل، والتخطيط الاستراتيجي، وإدارة المواهب، عناصر أساسية في صناعة النجاح.
ومن هنا فإن كرة القدم الأردنية تحتاج اليوم إلى مراجعة فلسفتها قبل مراجعة نتائجها.
نحن لا نفتقد المواهب، بل نفتقد المشروع،  ولا نفتقد الحماس، بل نفتقد الاستمرارية. ولا نفتقد المدربين، بل نفتقد البيئة التي تسمح لهم بالنجاح.
إن أي رؤية وطنية لكرة القدم يجب أن تمتد لعشر أو خمس عشرة سنة على الأقل، وأن تكون محصنة ضد تغير الإدارات والأشخاص، بحيث يصبح المشروع هو الثابت، بينما تتغير الأسماء وفق احتياجاته.

كما يجب أن تقوم هذه الرؤية على مرتكزات واضحة، تبدأ بتطوير الفئات العمرية، وتأهيل المدربين وفق أحدث المعايير العلمية، وإعداد الإداريين، والاستثمار في مراكز الأداء والتحليل، وتعزيز الشراكة بين الجامعات والاتحاد والأندية، بحيث يتحول البحث العلمي إلى أداة لصناعة القرار وليس مجرد أوراق تنشر في المجلات.
لقد أثبتت التجارب العالمية أن المنتخبات التي تصعد بسرعة قد تتراجع بالسرعة نفسها إذا لم يكن الإنجاز قائما على أسس متينة. أما الدول التي تبني وفق رؤية علمية فإنها تحافظ على مكانتها لعقود، لأن النجاح فيها ليس نتيجة جيل استثنائي، بل نتيجة منظومة تنتج أجيالًا متعاقبة.
إن الإنجاز ليس مباراة تكسب، ولا بطولة ترفع، ولا مدربا يعيَّن أو يقال. الإنجاز الحقيقي هو أن تصبح عملية إنتاج اللاعبين والمدربين والإداريين المتميزين مستمرة لا تتوقف، وأن تتحول ثقافة التخطيط بعيد المدى إلى جزء من هوية المؤسسة الرياضية.
اليوم، وبعد أن حقق الأردن إنجازًا تاريخيا بالوصول إلى نهائيات كأس العالم، فإن التحدي الحقيقي لا يكمن في المشاركة فقط، بل في كيفية المحافظة على هذا المستوى والبناء عليه. وهنا تظهر مسؤولية أصحاب القرار فإما أن ينظروا إلى هذا الإنجاز بوصفه نهاية الرحلة، أو يعتبرونه بداية مشروع أكبر يقود كرة القدم الأردنية إلى مكانة مستقرة بين كبار اللعبة.
إن المستقبل لا يصنعه من يبحث عن الحلول السريعة، بل من يمتلك الشجاعة ليزرع اليوم ما سيحصد ثماره بعد سنوات. فالدول التي صنعت مجدها الكروي لم تكن أكثر موهبة منا، لكنها كانت أكثر صبرا، وأكثر احتراما للعلم، وأكثر إيمانا بأن الزمن ليس عدوًا للمشروعات الكبرى، بل هو شريكها الأول.
ولهذا، فإن الرسالة التي يجب أن تصل إلى كل صاحب قرار في الرياضة الأردنية هي أن الطريق إلى العالمية لا يبدأ بتغيير المدرب، بل يبدأ بتغيير طريقة التفكير. فالإنجاز المستدام لا يولد من ردود الأفعال، وإنما من رؤية، ورسالة، وعلم، ووقت، وإرادة لا تتعجل الثمار قبل أن تكتمل جذور الشجرة. اتمنى أن تصل رسالتي هذه الى سمو الأمير علي بن الحسين والذي كما عهدناه يؤمن إيمانا راسخا بأهمية الإستخدام العلمي بغية الوصول إلى الأهداف المنشودة.
* استاذ جامعي/ كلية علوم الرياضة/ الجامعه الأردنية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى